أخر تحديث : الخميس 14 سبتمبر 2017 - 11:36 مساءً

إلى‮ ‬صحافي‮(ة‮) ناشئ(ة‮)

بتاريخ 14 سبتمبر, 2017 - بقلم هيئة التحرير

عبد العزيز كوكاس.

وأنت في أول الطريق نحو منعطف مهنة النبل التي اخترتها صدفة أو عشقا جارفا، أو بمحض حادثة سير في تاريخك أو تورطت فيها، هل تحتاج إلى بعض المنشطات، من غير المحظورة دوليا في سباق المسافات الطويلة نحو مهنة الوهم لاجتياز الطريق؟ هل تحتاج إلى ما يشد عضدك ويكون سندك‮ ‬في‮ ‬رفع‮ ‬الدهشة‮ ‬عن‮ ‬ممارسة‮ ‬مهنة‮ ‬الصحافة،‮ ‬ها‮ ‬إني‮ ‬أمنحك‮ ‬بعض‮ ‬الزاد،‮ ‬من‮ ‬خبير ‬جابت‮ ‬أشرعة‮ ‬مركبه‮ ‬بحاراً‮ ‬لجاجا‮ ‬في‮ ‬صحافة‮ ‬هذا‮ ‬الوطن‮.‬
وأنت في أول الطريق تصاب بالرعشة، لقد تلقنت كل فنون السباحة دون أن تلمس الماء… تجد أشقاء في المهنة يسبحون بطرق غير التي تعلمتها، ويقودون أنفسهم نحو شاطئ النجاة بسلام، أتصور وضعك وأنت تدق باب أول جريدة.. خجلك الزائد عن الحاجة وأنت تمسك الهاتف لتحدث مسؤولا متواضعا‮ ‬ظللت‮ ‬تتهرب‮ ‬من‮ ‬جحيم‮ ‬لقائه،‮ ‬كي‮ ‬لا‮ ‬تنفرط‮ ‬حبَّات‮ ‬سبحة‮ ‬كل‮ ‬الكلام‮ ‬الذي‮ ‬نظـمته‮ ‬مسبقا،‮ ‬كم‮ ‬أود‮ ‬أن‮ ‬أهديك‮ ‬النجدين،‮ ‬أن‮ ‬أرشدك‮ ‬إلى‮ ‬ما‮ ‬يدلك‮ ‬على‮ ‬نفسك‮ ‬فيك‮!‬
الحق أقول لك: إذا كنت تريد أن تكون صحافيا ناجحا، فاحرق كل كتبك المدرسية، واتْفُل على جميع وصايا أساتذتك الذين شحنوك بما لا يصلح لحمل صارية على مركبك في لجاج الصحافة، وضع كل وصاياهم البليدة وراء ظهرك، إذ عليك أن تختار منذ البدء، بين أن تكون صحافي ظل، ليس مثل حكومة الظل في الدول ذات التقاليد الديمقراطية الباذخة، بل أن تكون في الصفوف الخلفية، في جريدة ما تُكلف بتغطية أو تعرية بعض الأحداث الهامشية وتكتب التعازي والتهاني… وبين أن تتبوأ سماوات الأعالي ليطلع اسمك بالبنط العريض في الصفحات الأولى!
عليك أن تختار بين أحد النجدين، أن تكون صحافيا يراعي نبل المهنة وأخلاقها ولا تأخذه في قول الحقيقة لومة لائم، وبين أن تقترف مهنة الصحافة وتدس ألغام الكذب في طريق الحقيقة، ولكل طريق تختاره ضريبته وفوائده، إذا كنت تريد أن تكون صحافيا وفق ما تعلمته فاعلم أنك ستفقد مصادر خبر نافذة، لأنك تخرج عن طوعها أو “تُحرِّف” حقيقتها، وسيكون عليك الوقوف أمام المحاكم أكثر من مرة بشبهة قول الحقيقة، وستتعرض لعملية سلخ الجلد من طرف زملاء محسوبين على المهنة ” يغمسون” مداد ما يُدبجون من دم جراحك وقد يترقوَّن على حسابك بسبب ما أبدوه‮ ‬من‮ ‬جسارة‮ ‬في‮ ‬مواجهتك،‮ ‬وبين‮ ‬أن‮ ‬تختار‮ ‬الانتساب‮ ‬للكتابات‮ ‬المسطحة‮ ‬التي‮ ‬تشبه‮ ‬خطب‮ ‬الجنائز،‮ ‬تلك‮ ‬الكتابات‮ ‬التي‮ ‬لا‮ ‬تجلب‮ ‬عاراً‮ ‬ولا‮ ‬شنآناً،‮ ‬إنه‮ ‬طريق‮ ‬الرفاه‮ ‬لتفترش‮ ‬وسائد‮ ‬ريش‮ “‬نْعام اسِّي‮”!‬
اعلم أن أيسر السبل، هو أن تمارس هواية الارتشاء أو أن تمارس وظيفة قطاع الطرق، قراصنة البحر الذين يختارون ملاجئ قصية لمراكمة خزائنهم من المنهوبات، اقبل عزومات مصدر الخبر، أنشئ معه حميمية تصبح أولى من الخبر.. لا مفر، لا إخوة لك في درب النزاهة والكرامة، والأخلاق‮ ‬المهنية‮ ‬مجرد‮ ‬كلمات‮ ‬لبناء‮ ‬جملة‮ ‬مفيدة،‮ ‬لا‮ ‬تجلب‮ ‬فائدة‮!‬
إذا لم يتفقدك برلماني أو وزير أو أي مسؤول سام، فاكتب عنه بشكل سيء، لن تحتاج إلى الكذب، بل فقط إلى بعض توابل الخيال لتضخيم الوقائع، فأنت ستجد، كما في أي عمل إنساني، وخاصة إذا كان صناعة مغربية، نقائص وثغرات… ضخمها كما تشاء، فالشعبوية لها موطئ قدم ببلادنا، حينها لن تعدم صحبة، وبعد صدور مقالك، سينادي عليك المسؤول لتفتح ملفك المطلبي، وسيقول لك زميله إن المسؤول الفلاني كاموني إذا لم “تعصِّيه” فلن يستجيب، وسوف تجد معجما خاصا بفن الضرب المباح في مجال الصحافة.. وستلتقي صحافيين يشاركونك تبادل الأدوار بتسليم ضحيتك مقابل‮ ‬ضحية‮ ‬جديدة،‮ ‬ستعرف‮ ‬أن‮ ‬هناك‮ ‬فنونا‮ ‬للكتابة‮ ‬عن‮ ‬مسؤول‮ ‬لم‮ ‬يفهم‮ ‬رأسه‮:‬
فهناك الغمز! وهو مرحلة خفيفة من النقد الودي، ثم “القرص” ثم “تجبيد” الأذنين، ثم الصفع، ثم “الجمع بنص وتتلاقَّى ليه” أو الجمع بنص على الدَّص” والفرق بين الجمعين هو أن الجمع الأول بنص يبقى أرحم من الثاني، ثم ضربة الكاو… وفي المدح لن يخلو معجمك من مفردات‮ ‬تتداول‮ ‬بين‮ ‬الصحافيين‮ ‬من‮ “‬الترقاد‮ ‬في‮ ‬السمن‮” ‬إلى‮ “‬التَّخْمار‮”…‬
وأنصحك بعدم فتح “جريدة” في هذا البلد، إلا إذا كنت تُتقن فن التسول لتستجدي الإشهار وصدقات أولي الأمر في البلد، أو أن تملك مهارة القراصنة وقطاع الطرق الذين يهددون الفاعلين بمختلف أشكالهم بما شحَّ من أخبار، ليفرشوا طريقهم بالورود.
ما لك ومكافحة الرشوة، وصداع الرأس مع أخلاقيات جمعية ترانسبرانسي والوصايا الثقيلة لفقهاء أخلاقيات المهنة، اذهب حيث تقودك دروب الأظرفة المغلفة بالنعيم وذات الملمس الحريري، وتقبل كل الرشاوى المعروضة عليك بأنفة ولا تأخذ غنيمة وأنت صاغر خافض جناح الذل.. بل اقبضها بكبرياء، وشهامة باسم العادة وإذا عمت هانت! 
تذكر أن زميلا لك ذهب في زيارة بلد خليجي صحبة زميلاء له، وحين رفض وحده تسلم “هدية” الأمير المسمومة باسم النظافة والنزاهة والبلادة وجد نفسه بدون تذكرة العودة إلى البلد، وتم حرمانه من كل الامتيازات التي كانت رهن إشارته، لقد كان بليداً! وحين رفض زميل لنا في “الأسبوعية الجديدة” رشوة من وزير وازن في حكومة جطو، منعت جريدتنا من كل إشهارات الوزارة المعنية إلى الأبد! لا تكن ساذجا فتتبع أهواء الذين فشلوا من قبلك!
هل تريد ألا يكون لك بيت فخم وتحرم أسرتك من العيش في رغد وهناء؟
إذن عليك أن تمشي بحذر في مشوارك الصحافي المليء بالألغام وتجاوز الأسلاك الكهربائية العالية الضغط، كن مرناً كي لا تعصر أو تكسر، فالمقدسات تتجاوز حدود المكتوب، وعليك أن تتوفر في كل مرة على عبقرية استثنائية‮ ‬أو على‮ ‬عيون‮ ‬زرقاء‮ ‬اليمامة‮ ‬لترى‮ ‬إلى‮ ‬أفق‮ ‬ما‮ ‬يتوقعه‮ ‬أُولو‮ ‬الأمر‮.. ‬فعين‮ ‬رضا‮ ‬المسؤول‮ ‬مرتبط‮ ‬أيضا‮ ‬بنوع‮ ‬الخدمة‮ ‬التي‮ ‬تقدمها‮ ‬له،‮ ‬ويستفيد‮ ‬منها‮ .‬
اتبع‮ ‬هذه‮ ‬الوصايا‮ ‬تتجاوز‮ ‬كل‮ ‬وجع‮ ‬الرأس،‮ ‬وتحول‮ ‬بذكاء‮ ‬مهن‮ ‬المتاعب‮ ‬إلى‮ ‬مهنة‮ ‬المغانم‮!‬
الأسبوعية الجديدة عام 2007

تعليقات القراء
عدد التعليقات 0


ان جريدة بلاد بريس الالكترونية تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة بلاد بريس الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: ان جريدة بلاد بريس الالكترونية تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا تسمح جريدة بلاد بريس الالكترونية بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.