أخر تحديث : الخميس 20 يونيو 2013 - 11:10 صباحًا

بلاد بريس تسبر أغوار البحث عن الكنوز في تحقيق حصري في هزيع الليل الدامس.

بتاريخ 19 يونيو, 2013 - بقلم بلاد بريس

أصبحت هواية البحث و التنقيب  عن الكنوز و الدفائن، حرفة من لا حرفة له، و مهنة الثراء الفاحش بضربة حظ، و صارت مداولات  منتديات قارعة الطريق و قنوات المقاهي. و باتت الأساطير المروية عن الكنوز و صائديها المنبعثة من البعد السابع، قاب قوس أو أدنى من أن تصبح حقيقة ملموسة، حيث  لعبت الروايات المنقطعة السند عن أشخاص تغيرت وضعيتهم الاجتماعية من حال إلى حال  و تسلقوا مدارج الثراء و الغنى الفاحش، بسبب كنز منسي أو دفينة طمست معالمها عبر مجرى التاريخ دافعا وراء مسح غبار وهم و توهم اسمه “الكنز”.

إن انتشار هذا التوهم في المجتمع  جعل  التخيلات النابعة من الاستلاب الشعوري للاغتناء السريع، محفزا مساعدا  لاتساع و تنامي دائرة شبكات البحث عن الكنوز بمتتالية هندسية متصاعدة، انخرطت فيها جماعات و زُرافات من فئات عمرية مختلفة ومستويات اجتماعية متباينة، حيث تتداول منتديات  صائدي الكنوز”الحرايفية” أخبارا غريبة عن تورط بعض المسؤولين في تكوين شبكات موالية لهم بمنطق التمويل و التموين و قسمة الغنيمة.

و بات جليا أن تعقب الذهب المدفون و اللهث وراء سراب الياقوت و الزمرد المكفن في وبر الإبل ، و قلل التبر” الذهب غير المشغول”، صار  ركن من أركان الإيمان  في مخيلة المنقبين عن لذة الانتشاء بالغنيمة التي تأتي أو قد لا تأتي. ميدان    تتأكسد فيه أبخرة العقل و تتبخر معه سيمياء  المنطق، وتنصهر فيه كيمياء الفكر العقلاني  في بركان الدجل و حمم الشعوذة و بحار الروحانيات و محيطات الغيبيات.

لا يمكن تقصي الحقيقة، من حكايات “شهريار الصباح”  أو الأحاديث منقطعة السند و مبتورة المتن أو أقاويل السامعين عبر أثير المغامرين، و وضعها على مشرحة المنطق و الفكر السوي، إلا بالغوص في غمار هذه الشبكات و التبحر داخل دواليبها للوقوف على حقيقة سؤال مؤرق حير أولو النهى و الفطناء هل الكنز حقيقة أم وهم؟ بعيدا عن الإسرائيليات المروية و الأحاديث الضعيفة و الهرطقات السوفسطائية. و كان لزاما علينا تقمص شخصية صائدي كنوز، للتغلغل في أدغال هذا العالم الموبوء بالمخاطر، و الوقوف عن كثب على طرق عملها و اشتغالها و تحركاتها، فوقفنا فعلا  على حقائق مثيرة يشيب لها الشعر و غرائب يتعايش الناس معها لا نجد لها موطأ قدم إلا في حكايات العجائز و الشيبان، و شلت أطرافنا و خرست ألسنتنا مما عايناه في عالم مطمور لا يعرف خباياه و أسراره إلا الراسخون في علمه حيث تختلط فيه الحقيقة بالخيال، و الدجل بالشعوذة، و العقلانية بالغيبيات، و تتصارع فيه شياطين الإنس و الجن، و يدنس فيه الذكر الحكيم، و تنتهك حرمة المقابر، و تنتعش على ضفافه أسراب الدجالين و النصابين، إنه فعلا فيلم  يموج بالمشاهد الدرامية و التراجيدية و المطاردات الهوليودية، مخرجوه مجانين، خلعوا بيعة الحقيقة و الخوف خلعا، و ارتدوا لباس المغامرة و الجري وراء السراب في القفار و البوادي و الوديان و الجبال و الهضاب و المقابر، لعلهم يحظون بغنيمة ينسون معها كلم الماضي .

أوقات  الاشتغال و التحركات

تختار مافيا البحث عن الدفائن أوقاتا معينة لبدئ عملياتها التنقيبية و الاستكشافية، حيث تتوغل في بقاع الأرض مع الهزيع الأخير من الليل و الناس تغط في السبات العميق   تنتج أبخرة أحلامها، و تفضل الليالي غير المقمرة بعيدا عن ضياء القمر لكي لا يُكتَشف أمرهم و تٌرصَد تحركاتهم، من قبل المسامرين من محبي تدخين الكيف و المقامرين بالبوادي و مهربي المخدرات، و تسلك مسالك وعرة و طرق غير معبدة فرار من نقط تفتيش الدرك. و تعِد الشبكة خطة محكمة جدا للمنطقة الهدف ، بعد رحلة استطلاعية بالنهار و بحث ميداني عن الدُور المحيطة به و التحركات التي تكون بالليل في الطرقات التي سيسلكونها ليلا، و غالبا ما يؤمن لهم أحد أبناء المنطقة الحماية، و ييسر لهم سبل التنقل، و يضمن لهم الاستقرار عنده حتى يهجع الناس إلى مضاجعهم و يحين الوقت المعلوم.

طرق التنقيب و البحث في الأمكنة المتهومة بوجود الكنز.

تتباين طرق التنقيب و البحث عن الذهب و الدفائن، بين فئة تطرق باب السبل  التقليدية كأغصان الزيتون و أسياخ النحاس و البندول و التي تعتبر أجهزة استشعارية  تتأثر  بترددات الأيونات المعدنية المنبعثة من باطن الأرض و خاصة الذهب، و فئة أخرى متمسكة حتى النخاع بالطرق الروحانية و هرطقات السحرة و المشعوذين، باستعمال الترابيع الكثيرة ” تربيع القمح – تربيع الديك – تربيع الورقة – تربيع البيض – تربيع تراب النمل الأحمر – تربيع الفلك أو التخت – تربيع الحمص – تربيع القزبر – تربيع الحرمل – تربيع الفول الأسود الخ…” و المباخر و الاستنزال و العزائم و الاستعانة بالجن و الشياطين، ونخبة من المتعلمين تؤمن بالعلم و التطور التكنولوجي في  التنقيب على آثار الحضارات السابقة و دفائنها، و تعتمد على التكنولوجيا المعلوماتية و الالكترونية و تشتغل  بالأجهزة التصويرية عبر شاشات متطورة تعكس الإشارات الملتقطة محددة نوع الدفين و عمقه و كميته، والأجهزة المغناطيسية و الاستشعارية و الرادارية، و تجعل من المخطوطات و الخرائط الدالة على تواجد الكنوز “التقييدة” منطلقا للبحث البعيد عن هلوسة الأحلام و الرؤى.

الطرق السحرية في اصطياد الكنز الثمين.

تربيع القمح: هي طريقة يستعملها صائدو الكنوز، و تعتمد هذه الطريقة على جمع حفنة من القمح في يوم معين و يعزم عليها ببعض العزائم، و يربع به المكان المتهوم و تترك إلى اليوم الموالي ، إن اجتمع القمح في مكان معين فالمكان فيه دفين و إن بقي متفرقا فالمكان فارغ.

تربيع الورقة: يعتمد هذا التربيع على أخذ ورقة من لون معين و يخط عليها مربع يملأ بأسماء ملوك الجن بمداد روحاني، و يذهب بها إلى المكان المراد كشفه، و تبخر الورقة ببخور غالبا يكون ثمنه باهظا و يرتل عليها تراتيل غير مفهومة حتى تطير الورقة، فإن سقطت على الوجه المكتوب فالغنيمة مدفونة في مكان سقوط الورقة، و إن سقطت على الوجه الفارغ فالمكان خال.

تربيع الديك: طريقة أخرى تستخدم الحيوانات، كدليل لأماكن الكنز المجهول، و الطريقة تقتضي، جلب ديك أفرق، أبيض اللون، موضوع في عنقه ورقة بيضاء مكتوب عليها سورة من القرآن بمداد روحاني، و يعزم على الديك بالعزيمة” الدهروشية” و هي دعوة بها أوامر لخدام الأسماء التحتية و العلوية، حتى تتلبس بالديك و يبدأ في النقر بمنقاره و مخالبه على المكان المرغوب فيه.

تربيع القلة: تعتمد هذه الوسيلة على وضع قلة في كف إنسان، مرسوم عليه مربع به أسماء الملوك الأرضية و السماوية للجن، ويضع الفقيه العالم بخبايا السحر يده على حامل القلة، و يسترسل مرتلا دعاويه و تراتيله حتى يحضر خدام الأسماء، و تبدأ القلة في الميل في شتى الاتجاهات فيتبع اتجاهها حتى تسقط القلة في المكان المراد معرفته.

تربيع القصبة: حتى المنتجات الفلاحية تدخل في عملية الكشف عن الكنوز المجهولة، حيث تأخذ قصبة طولها سبعة أشبار،  تقسم إلى نصفين و يكتب على الوجهين أيات من القرآن و غالبا ما يقحم فيها أسماء ملوك الجن في أواسط الآيات أو في نهايتها، و يعزم على القصبة حتى تهتز و يتبع حاملها اتجاهها.

طريقة الاستنزال: تأخذ هذه الطريقة عدة مظاهر، فتارة يستعمل فيها البشر و تارة يستعمل فيها الحيوان، و تعتمد على تلبس الجني بالإنسي ليصيرا ذاتا و روحا واحدة، و يصبح الإنسي بوصلة يوجهها الجني  إلى مكان الدفين، و وسيلتها  هي أن تأخذ قطعة قماش بيضاء، تٌعصَب على عين طفل أو شخص”زوهري” و يعزم عليه، بآيات من القرآن و سرعان ما يصل المعزِم إلى بعض المواضع، حتى يتلوها  متمتما في نفسه، حتى يصبح المعزم عليه كالبقرة المهرولة في شتى الاتجاهات، حتى مكان الدفين فيسقط فوقها كالطريدة.

و هناك طريق كثيرة لا تعد و لا تحصى، و يبقى القاسم المشترك  بينها، إخفاقها في تحديد نوع الدفين بدقة، و حجمه، و عمقه، حيث تكشف عن كل ما هو مدفون في باطن الأرض من عظام و قصدير، و أسلاك معدنية و غيرها، و في غالبية المرات يسقط الباحثون عن الكنوز في قبور قديمة و منسية لأمم خلت.

كيفية استخراج الدفين

عند تحديد مكان الدفين، تبدأ عملية الاستخراج بممارسة طقوس غريبة، و تختلف   حسب عقلية صائدو الكنوز، و عقيدتهم، و معتقاداتهم، فبعض المتشبعون بالمذهب السلفي، يستفتحون بالآذان في المكان المراد العمل فيه، و قراءة القرآن و استعمال  الماء المرقى كسلاح فتاك  لطرد عمار المكان و تحصينه من الجن و الشياطين، لتسهيل عملية الحفر و الاستخراج ، أما آخرون، فيستعملون البخور و القرابين من الذبائح “ديك أسود، عنز أسود…” استجابة لشروط حراس الدفين “الخزنة” و التعاويذ الشركية تقربا و تزلفا لملوك الجن، لتسهيل عملية الاستخراج و طرد المردة من الحراس، أما شريحة  ثالثة لا تعترف، لا بملوك الإنس و لا بسلاطين الجن و لا عمار المكان و لا حراس المعبد، فتبدأ عمليات الحفر مباشرة بعد معرفة مكان دفينها.

مشاهد واقعية من رقعة الميدان.

رحلة موبوءة بالمخاطر و النتيجة صفر على اليمين و أخر على الشمال.

  ذات مرة، حصل بعض الشباب على مخطوطة ” تقييدة”  مكتوبة بخط اليد على جلد الماعز ، تفيد بوجدود دفينة ثمينة في جدار طيني قديم بأحد الأضرحة، على ارتفاع مترين من سطح الأرض مباشرة بعد الدخول من الباب، و تشير المعلومات المتوفرة على المخطوطة أن الدفين عبارة عن “ياقوتة” ملفوفة في وبر الإبل. أعد ” الحرايفية” العدة لاكتشاف المكان، و حبكوا خطة محكمة لغزو المكان، و أعدوا العدة و تزودوا  بالزاد و العتاد اليدوي ” فؤوس، بنسات، معاول، مصابيح يدوية”. فجاء الوقت المعلوم، و انطلقت الرحلة حول المجهول على متن سيارة رباعية الدفع تطوي وراءها المسافات و الأميال،  مخترقة الوديان و الهضاب و التلال. ركنت السيارة في مكان آمن، و استأنف الشباب رحلتهم مشيا على الأقدام لمسافة 10 كيلومترات، مجتازين الحقول و البساتين و متحدين ” هوايع الليل” غير أبهين بنباح الكلاب و فحيح الأفاعي لأن المنطقة كانت جبلية وأهلة بالزواحف، حتى وصلوا إلى المكان المعلوم، دخل اثنين لتنفيذ المهمة، و بقي واحد خارج الضريح يترصد بعيون زرقاء اليمامة كل السكنات و الهمسات التي تدور داخل المقبرة و حواشيها. حدد المنفذون مكان الدفين حسب ما جاء في “التقييدة”، فبدأوا عملية حفر الجدار الطيني السميك “اللوح” بحماسة زائدة، لكن تجري الرياح بما لا تشتهيه السفن، ليكتشفوا أنه تم إحداث ثقب بالجدار من الخارج، و تم ترميمه من قبل أهالي الدوار بالخرسانة، ليدركوا أن خفافيش الظلام سبقتهم إلى الغنيمة، ليولوا الأدبار خائبين.

تبخر حلم بعد سبع سنوات من البحث

 اتصل فقيه بمنطقة الجبل الأخضر بصديق له مخبرا إياه أنه و جد مكانا به كنز ثمين عبارة عن “مطمورة من التبر” قضى في البحث عنه و تحديد رقعة تواجده أكثر من سبع سنوات، و طلب الفقيه من صديقه أن يحضر معه آلة كشف المعادن “ماكينة”، استجاب الصديق، و حددا موعدا، فاجتمعا الجمعان في معركة البحث عن الكنز، متسلقين الهضاب و التلال و قاطعين الوديان في جنح الظلام، و صل الفريق إلى المكان المتهوم، فسل كل واحد منهم و سائل عمله من غمدها. الفقيه استعمل تربيع الورقة، طارت الورقة و صار الفقيه يلهث وراءها جريا و هي تحوم سابحة في الأجواء مدة نصف ساعة حتى سقطت على وجهها المكتوب، فأيقن الفقيه أنه أصبح قاب قوسين أو أدنى من الذهب و الفضة، ثم جاء دور صاحب كاشفة المعادن، فمسح جغرافيا المنطقة مسحا دقيقا، حتى أطلقت الآلة إشارة صوتية فوق مكان سقوط الورقة، و اتفق الجمعان على أن المكان هو أرض ميعاد الخروج من الفقر و “الميزيريا”، أخرج الفقيه من جرابه قنينة ماء و بدأ يرش و يعزم معطيا الإشارة للحفارة باستئناف عملية الحفر، حفر الحفارة حفرة بعمق مترين و نصف دون أن تظهر بوادر الكنز، حتى وجدوا صخرة من الكوارتز مدفونة بفعل الترسبات الطينية. حينها أدرك صاحب الآلة أنه لا غير متبحر في كيفية استعمالها و غير دارس لحقول تأثرها. ليرجع الفريق بخفي حنين و تذهب سنوات جري الفقيه و راء السراب سدى.

هي حكايات، غيض من فيض لمغامرات و تجارب قاسية، يرويها من عاشوا هذا الوهم، حتى أثرت على علاقاتهم العائلية و مستواهم المادي و المعيشي، حتى أن هناك من قضى جيبه و ممتلكاته نحبهم في شراء البخور و تأمين التنقلات، و رجع يجر وراء خيبة أمل كنز فقده أصحابه الأصليون، و طارده الخلف في مغارات علي بابا و صحاري القحافة و كدية ” وزرن” و الجبل “الأخضر”و بطحاء “الحدرة” و سهول “انزالت لعظم”.

تعليقات القراء
عدد التعليقات 0


ان جريدة بلاد بريس الالكترونية تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة بلاد بريس الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: ان جريدة بلاد بريس الالكترونية تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا تسمح جريدة بلاد بريس الالكترونية بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.