إعلان

إفتتاحية

كاريكاتير

إعلان

إعلان

الرئيسية » منبر حر » في العلاقة بين الفلسفة والإبداع…

في العلاقة بين الفلسفة والإبداع…

4٬193 views

 ايت-الزين-263x3001

    بقلم ذ.عبد الواحد ايت الزين :

عضو مؤسس لجمعية فضاءات فلسفية بمراكش

  • §   “يكمن موضوع الفلسفة في إبداع مفاهيم جديدة…ولايجب ان يعترض على ذلك بالقول إن الإبداع يتعلق فقط بما هو محسوس وبمجال الفنون…فالعلوم والفنون والفلسفات هي مجالات للإبداع، ويرجع للفلسفة وحدها الفضل في خلق المفاهيم بالمعنى الدقيق للكلمة…إذ أنه حسب رأي “نيتشه” لايمكننا معرفة شيء من خلال المفاهيم إذا لم نخلقها بأنفسسنا..”(جيل دولوز،ما هي الفلسفة..؟).

  • §   “علينا أن نفهم معنى الكلام، وإذا أخفقنا في سلوك هذا السبيل، فإننا نخطيء الباب المؤدي إلى الفلسفة”(آرنست كاسيرر).         

           *********

  • ·       مدخل منهجي:

    لربما يتطلب كل حديث عن علاقة الفلسفة بالإبداع، استحضار مستلزمات عدة، من أبرزها: تحديد المقصود بالإبداع فلسفيا، وكذا علاقته بمفاهيم اخرى من قبيل ال”إختراع” و ال”إكتشاف” و ال” خلق”، والوعي بأننا بصدد إشكال فسلفي يتحرك في عمق علاقة الفلسفة بذاتها من جهة، ثم علاقتها بخوارجها – دواخلها- من علم وفن وأدب من جهة ثانية ، أما ثالث شروط مقاربة الإشكال قيد النظر، فيتجلى أساسا في القدرة على تملك تصور شمولي حول تاريخ الفكر بشكل عام  منذ بوادره الأولى،- الأمر الذي لاندعي الإحاطة به، وعليه سنلجأ أحيانا إلى التوسل ببعض الأمثلة الجزئية فقط – ونصرح في هذا المدخل ان محاولتنا هذه، لن تكون سوى محاولة للدفاع عن كون الفلسفة ليست إلا إبداعا، ولعل ذلك مايشير إليه العنوان المنتقى بالإضافة إلى الإحالات الواردة في مستهل مكتوبنا.

  • ·       في حد المفهوم فلسفيا:

    يحدثنا لالاند عن مفهوم الإبداعcreatiou  من خلال 3 معاني يقول في أولها بأنه:”إنتاج أي شيء، خصوصا إذا كان جديدا في شكله، لكن بواسطة عناصر موجودة من قبل:خلق  عمل فني، إنشاء طريق، خيال خلاق”، وفي ثانيها يربطه بوصف أسماه “خصوصا وإطلاقا”، ويؤكد بصدده” إذا سلمنا بأن العالم ليس ازليا بل بدأ في الزمان، يقال خلق او خلق من لاشيء على الكيف الذي اكتسب وجوده به”، ليختم حديثه عن المفهوم بمعنى ثالث ينسبه إلى المدرسيين وكذلك الديكارتيين، نعته ب”الخلق التواصلي” ويشار به إلى”الفعل الذي يحفظ الله به العالم في وجوده، الفعل المماثل لذلك الذي أحدث به العالم قديما”. ماالذي يمكننا استنتاجه انطلاقا من هذه البدايات اللغوية؟ لعله من الواضح أن مفهوم الإبداع ينأى في معناه عن مسألة الإيجاد من لاشيء، كنأيه عن ربطه بالعبقرية والفرادة، لأنه مرتبط دوما ب”عناصر موجودة من قبل” و” الكيف….” للدلالة على التشكل المتجدد للخلق، ومن الأكيد ان هكذا تشكل، يتطلب عناصر سابقة، فهو “في شأن كل يوم”، هل معنى ذلك خلق أشياء جديدة، أم أن معناه التجديد في الخلق السابق…؟، وفي المعنى الثالث نلاحظ ورود كلمة “مماثل” كإحالة على وجود سابق. سنحتفظ بهذه الخلاصات من أجل التعريج على دلالة”إبداع”، عند العرب في حديث لسانهم عن ذلك.

    انتقالنا لمجال تحرك اللفظ في المجال التداولي العربي لدى جميل صليبا على سبيل المثال، سيؤكد التعددية المشار إليها، مما سيضاعف متاعب الباحث، حتى أننا سنجد أنفسنا كأننا أمام تناقض في المعني، يورد صليبا مقارنة بين “إبداع” و”خلق” – في الترجمة ستتزداد الأمور تعقيدا لاختياره كلمة creation  كمرادف ل “خلق” ول “إبداع” كذلك، اما خليل احمد خليل فإنه يرادف في ترجمته لمعجم لالاند بين creation وبين إبداع وخلق واكتشاف وإنشاء-  بقوله”الإبداع إيجاد شيء من لاشيء، والخلق إيجاد شيء من شيء”، هكذا نكون امام “بلبلة لسانية”، حسمها كفيل بتجنيبنا مغبة الوقوع في فوضى مفهومية، لكن ووفاء منا بما سجلناه في إشارتنا المنهجية من وجوب النظر في المفهوم من حيث علاقته ببعض المفاهيم الأخرى، فإن العودة إلى المعاجم أدت بنا إلى التالي: من المحال التدقيق في الدلالة الفلسفية لمفهوم كان ما كان، خاصة عند الإنتقال من مجال تداولي إلى مجال تداولي آخر، مايثبت كلامنا، استحضار اختلاف دلالات كل من مفاهيم اختراعinvention و اكتشاف découverte وخلق / إبداع creation ، إذ نجد عدم تحري الدقة في تحديدها، كقول صليبا بصدد الإختراع والإكتشاف “.الإختراع… مقابل للإكتشاف، لأن الإكتشاف هو الإطلاع على الأشياء الموجودة سابقا،أي المتقدمة في الوجود على معرفتنا بها على حين أن الإختراع هوالإيجاد، أي إيجاد أشياء جديدة، لم تكن موجودة من قبل”، في حين نجد اندريه يرادف بين découverte وinvention، كما يقول جميل عن الخلق والإبداع  creation “الخلق هو الإيجاد، وقد يكون من مواد مخصوصة، وصور وأشكال معينة…وقد يكون مجرد إيجاد من غير نظر إلى وجه الإشتقاق، وليس الخلق الذي هو إيجاد الشيء من لاشيء إلا لله تعالى، ويطلق عليه اسم الإبداع”، وقد استند في ذلك إلى العديد من الإستشهادات لبعض المفكرين العرب والمسلمين. إذن، فإذا كان صليبا يخص الذات الإلاهية لوحدها ب ال”إبداع”، فإن عودتنا إلى سابق خلاصاتنا حول تعريف لالاند لذات المفهوم، يجعلنا في حيرة من أمرنا أنقصد إبداعا أم خلقا…؟

  • ·       استئناف البدء:

    نخلص إلى أن تحديد المقصود من المفهوم، هو الكفيل باستقامة الحديث عن الإبداع في الفلسفة، لأن النتائج ستتغير بتغير هذا المقصود، نسرع بطرح هذه الخطوة المنهجية لنشير بأننا سنتناول مفهوم الإبداع/الخلق، بالمعنى الثاني  الذي خصه به لالاند، مبررنا في ذلك، ان غيره من الدلالات ارتبطت في جزء منها ببعض المسميات اللاهوتية، التى تستصغر الإنسان في علاقته بالإلاه.

    من ضمن الدروس العديدة التي علمنا إياها هيغل، استحالة الكلام عن فلسفة ما إلا في علاقتها ب”روح عصرها”(أصول فلسفة الحق، تعريب إمام عبد الفتاح إمام، ص 116)، فالفلسفة الإغريقية شكلت استجابة نظرية، للواقع الذي كانت تعيشه بلاد الإغريق على كافة المستويات:سياسيا، ودينيا، وفلسفيا(علم، ادب،فن…)، لكن لايعني هذا القول، أن هناك قطائع بين كل مرحلة واخرى، بل هناك روح عامة تنسحب على تاريخ الفلسفة، مما تجعله يتقدم بشكل تراكمي، وفق منطق الإحتفاظ والتجاوز، على اعتبار ان العقل يتطور نحو الإمتلاء والتعين، حتى يتحقق المطلق. بناء عليه ليس تاريخ الفلسفة إلا لحطات لتحقق هذا المطلق، بتظافر كل الشروط المؤدية إلى ذلك بما فيها المتعلقة بالمستجدات العلمية والفنية والدينية، فالفلسفة كانت دوما على صلة وثيقة بها، ومن ثمة تاكيد بياجي على ارتباط فلسفة كل عصر بعلمه:أفلاطون والرياضيات، أرسطو والبيولوجيا، ديكارت/كانط  والفيزياء الجاليلية والنيوتونية….، نفس الشيء يمكن ان يقال بصدد الفن وتاريخ كل الأنساق سواء النظرية منها او العملية بشكل عام، لذلك ففيلسوف القرن الواحد والعشرين، يجب أن يكون على بينة ب”الماضي الفلسفي”، لبناء فلسفته، لكن الإشكال المطروح يتجلى هنا بالضبط أين يتجلى الإبداع في الفلسفة، أمام استغراق ذاكرة الفلسفة لحاضرنا نحن….؟ فنجد أنفسنا مازلنا سجناء للقيد السقراطي-الافلاطوني والأرسطي كذلك؟

    لاغرابة أن الفلسفة الحديثة والفلسفة المعاصرة، لم تستطع الفكاك من ذلك، مايثبت هذا هو اضطرار فلاسفة الحقبتين إلى الدخول في حوار مع الموتى- الأحياء، فنجد كتاباتهم، كانها مجرد حوار مع تاريخ الفلسفة نفسه، حوار مع أفلاطون وأرسطو، مع البحث في العلاقة بينهما، ودورهما في بلاد الإغريق،هذا يثمن جهودهما(وايتهيد نموذجا)، وذلك يتهمهما(نتشه كنموذج)، والاخر يحاول تدارك مااعتقد انهما أخطآه(ديكارت في مباديء فلسفته وآخرون)، وفي نهاية المطاف نكون امام قيد إغريقي شديد، يجعل الإنسان يشكك في إمكانية إيجاد بضاعة جديدة. مايزيد من تحول شك كهذا إلى حقيقة، هو قوة المفاهيم التي امتدت إلينا من اللحظة الإغريقية،وصعوبة الإنفكاك منها، فهلا لنا بعد ذلك ان نتحدث عن “إبداع فلسفي”؟

    أحيانا يجب تعلم، مانعتقد أننا على علم به(هايدغر، ما الفلسفة؟)، درس لهايدغر، في نقده لخلاصات هيغل، تعلم علم كهذا، يفيدنا في تغيير الوجهة، من البحث في “مفكر” الفلسفة، إلى البحث في “لامفكرها”، وبحث من هذا القبيل، يفيدنا في تتبع “الإبداع الفلسفي” خاصة على مستوى خلق المفاهيم، والإنهمام بالحاضر بناء على ذاكرة الفلسفة، من اجل استعادة بعض مفاهيمها لكن بحمولة دلالية إبداعية. لناخذ مفهوم “الجدل” مثالا على ذلك، فقد عرف هذا المفهوم حركية تاريخية منذ هيراقليطس إلى الفلسفة الماركسية، وخلال هذه الحركية، اختلف مؤداه وتطور من دلالته على ” المحاورة والمساجلة” إلى الدلالة على “الصعود من الحسي الجزئي إلى المجرد الكلي والعكس كذلك”، ليدل فيما بعد على احد اقسام المنطق، ثم على”الوهم والمغالطة”، ليرادف التغير/التطور، سواء تعلق هذا التطور في لحظة أولى ب”الفكرة” أو في لحطة ثانية ب”المادة”، فهل بقي المفهوم هو هو؟

    حسب المنسوب إلى نتشه من طرف دولوز ف” لايمكننا معرفة شيء من خلال المفاهيم إذا لم نخلقها بأنفسنا”، نعتقد ان خلقا كهذا يتعلق بإضفاء معان جديدة عنه، لم يكن ليحتملها مفكره، لضيق مفكر تلك اللحظة التاريخية التي أنتجته وأفقها – كلمة ضيق لا نستخدمها هنا بالقدح او السلب- ، فوجب البحث في لامفكرها لخلق المفهوم وإعادة خلقه من جديد ، بذلك ننفلت من قبضة القدامى. ونحيل لإضاءة سابق كلامنا، إلى التناول التاريخي لهايدغر، بخصوص الأليثيا وسقوطها فيما يسميه ب” ظاهرة السقوط” مما يطرح ضرورة “النقض” (اسماعيل مصدق ” هايدغر بين البدء الول والبدء الاخر، عدد 15 من مدارات فلسفية)، فماذا نعني بالنقض في هذا المقام؟

     يؤكد هايدغر أنه” كشف وتقويض للتحريفات التي تعرضت لها المفاهيم الإغريقية، وإعادة بناء علاقة هذه المفاهيم بتجاربها وحوافزها الأصلية، وهو عمل ينطوي على نقد، لكنه ليس نقدا للماضي وإنما للحاضر أو بالأحرى لعلاقة الحاضر بماضيه،(المقال المشار إليه اعلاه)، قد يبدو ان هايدغر يحدثنا عن لزوم “الأصل”، لكن ربط بداية كلامه بنهايته خاصة استحضاره لمسألة “التجارب والحوافز”، تجعلنا نسارع بتقويم الملاحظة السالفة،لأن مناط قوله يتعلق بربط المفهوم بشكل تجليه في الحياة.

    انطلاقا من هذه الإشارات يتبين لنا ان رهان “إبداع الفلسفة”، يتعلق بمفهوم التأويل، وحتى نؤكد خلاصتنا الاخيرة حول هايدغر، سنجد انه يشرط التفلسف في الوضعية المعاصرة، بتاويل – من نوع ما- للفلسفة الإغريقية، خاصة ارسطو. وبنقده هذا وتقويضه لما ينعته ب “تاريخ الميتافيزيقا “، أبدع هايدغر مفاهيم مؤسسة في الفلسفة المعاصرة ” دازاين، واستذكار ، وحقيقة، ووجود…”، كما أبدع ديكارت قبله مفهوم “الذات، و الشك، والكوجيتو…”، إبداعه لها ليس بمعنى نحتها من عدم – خاصة (بضم التاء) الإلاه- بل في منحها حمولة دلالية جديدة، ترتبط بالشروط التاريخية، شروط يجتمع فيها الفلسفي، والسياسي، والإقتصادي، والديني، – بل والذاتي كذلك – ونعتقد انه في الإمكان إنزال الفلسفة منزلة العلم والأدب في هذا الشأن، فهذه الأنماط المعرفيه لاتختص بدورها بهذا الخلق من لاشيء، ولنتوسل في شرح ذلك بمثال لكل منهما.

  • ·       فن، علم ، فلسفة

    إن الثورة الفنية والادبية، التي عرفتها اوربا مع النهضة الموصوفة ب”الإيطالية”، قد ادت إلى إنتاجات اثرت المجال الفكري الاوربي، ومامن شك انها ترتبط أشد مايكون الإرتباط بظروف تاريخية معينة، وقد تجلى جانبها الإبداعي على مستوى استلهام التراث اليوناني والتراث الروماني، فهل يمكن ان نجتث قصائد دانتي ولوحات دافنشي، وأبحاث كبلر عن سياقها، ونصفها ب”الإبداع” طالما انتمت إلى الحقل الأدبي، والحقل الفني، والحقل العلمي ! في حين حديثنا عن إبداع ألاكويناس، و سكوت، و أبيلارد يبقى كلاما فارغا، لأنه لا إبداع في الفلسفة، ولا قول فيها بعد كل ماقيل.

نعتقد أن التجنى على هؤلاء، التجنى على الفلسفة هو عدم سحب “الإبداع” على اجتهاداتهم الفلسفية، لأنها شكلت محاولات إجابة على إشكالات عصرها، حتى ولو كان منطلقها عناصرسابقة، ف”الإبداع” ليس إلا ” إنتاج أي شيء، خصوصا إذا كان جديدا في شكله، لكن بواسطة عناصر موجودة من قبل:خلق  عمل فني، إنشاء طريق، خيال خلاق”(لالاند).

     هذا من جهة الأدب والفن، اما من جهة العلم، فسنمثل له بمثال تطوراكتشاف المادة الأصلية للوجود،ولنبدأ بآخر ماتوصل(بضم التاء و الواو وكسر الصاد) به من طرف العلم، الأمر يتعلق ب”نظرية الخيوط”، حسب هذه النظرية، فأصل الكون خيوط دقيقة جدا (تبلغ 10 أس ناقص 31 )، الأمر الذي شكل إبداعا علميا، لكن، ألم يكن هذا الإبداع مشيدا على أساس ماضي الفيزياء والرياضيات في رمتها منذ ديمقريطس، وأنكساغوراس، القائلان بالأصل الذري للوجود، مع حديثهما عن استحالة انقسام الذرة، ووجود فراغ بين هذه الذرات (فراغ سيعمد ديكارت على نفيه لاحقا في أصل عالمه)، مرورا بالتاكيد على انقسامية الذرة، فانقسامية النواة، وصولا إلى هذه الخيوط، هذا التطور تداخلت عوامل شتى في تشكله منها تطور أدوات الملاحظة العلمية، تطور ارتبط بدوره بظروف سياسية، نظرا للحاجة التي ظهرت من اجل رصد مواقع العدو، وهكذا دواليك. فالعلم، والأدب، والفن، شانه في التطور شأن الفلسفة، خاضع بدوره لروح عصره وتكاثف عدة ظروف لإنتاجه. تتغير اولوية هذه الظروف من حقبة لاخرى، قد يكون العامل الأهم خلال لحظة هو العلم، وفي لحظة أخرى قد يكون الدين ، وفي لحظة تالية يكون الإقتصاد- وربما قد تكون الصدفة، تفاحة نيوتن نموذجا- وعليه يصير الحديث عن قتل الذات بتاريخها وسياقها عالمة كانت، او فنية، او اديبة ، أو  فيلسوفة، قتل للنص ككل، قتل للنظرية العلمية، وللوحة الفنية، للنص الشعري وغيره، واخيرا قتل للنص الفلسفي لأن هذا من ذاك، أورد قولة لفرويد على سبيل التأكيد “من الحتمي أن يكون تاريخ العصور الماضية…تعبيرا عن آراء ورغبات الحاضر أكثر منه صورة صادقة للماضي”. ولنستحضر في هذا الإطار ديكارت، وهو  يحدثنا في أغلب مصنفاته بضمير ال”أنا” فهنا السؤال المنزلق: أناه هل هي أي ذات قارئة، ام انه ذاته ذاتها؟ الجواب بالإيجاب على الشطر الأول من السؤال، معناه اجثثات النص من سياقه، ومن تاثر صاحبه برحلاته وباشتغاله الفيزيائي والرياضي، بعلاقته مع الكنيسة، وغيرها، ولنختم مثالنا بالتساؤل عن مدى استقامة قراءة نتشه، بمعزل عن شخصه ورغباته وتجاربه الذاتية، من هنا يتضح ان النص ابن زمانه، عاكس “للبيئة العامة” له.

  • ·       على سبيل الختام

    حديثنا هنا عن البيئة العامة، إشارة منا إلى  الحذر من “أحادية التحديد” للنتاج الفلسفي، كان نقول ان تاريخ الفلسفة في كليته كان على الدوام استجابة لإشكالات علمية مطروحة. لطالما كان العلم على صلة وصل بهذا، بلغت احيانا حد التماهي، كما هو الشأن في الحقبة المعاصرة، – حيث من الصعوبة قراءتها بمعزل عن الثورة الرياضية مع ريمان ولوباتشفسكي، والثورة الفيزيائية مع اينشتاين، هايزنبورغ، وماكس بلانك وكذلك الثورات البيولوجية والعسكرية وغيرها- لكن المصادرة على منح العلم هذه الهالة كلها، على تاريخ الفلسفة، يشكل تجزيئا للتاريخ العام، إذ لاجدال في ارتباط العلم نفسه، بالأوضاع  السياسية والإقتصادية والدينية” . الحاجة ام الإختراع” كما يقال احيانا، إذن فنرى انه من اللازم قراءة تاريخ العلم والفن بدورهما، على ضوء ربطهما بالبنى الإجتماعية والإقتصادية والثقافية التي نشأ الإثنان فيها، كما هو الحال بالنسبة للفلسفة. اتباع سبيل غير هذا، قد يضفي نوعا من الثبات والجمود على تاريخ الفلسفة نفسه، ذلك الثبات والجمود الذي ماجاءت إلا للثورة عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *