Banniére SIAM

تمرين ديمقراطي بأفق انتقال اجتماعي

0
  • كتب : يونس دافقير

 

رحم الله السي عبد الرحمان اليوسفي. كان، وهو مجرد وزير أول وليس رئيسا للوزراء، أول من أرسى تقليد النقاش بين الحكومة والبرلمان حول حصيلة نصف الولاية الحكومية، وبموجب دستور 2011 صار ذلك التزاما دستوريا يتقيد به رؤساء الحكومات.

 

تقديم الحصيلة المرحلية للحكومات ليس مجرد طقس مؤسساتي، كثيرون يعتقدون ذلك لأنه سلوك بلا أثر سياسي مادام أنه لا يعقبها تصويت، لكن التقدير الغير مجانب للصواب، هو أنها لحظة تمرين ديمقراطي تعكس التطور المضطرد لديمقراطيتنا الناشئة، وتعبر عن التوجه المتزايد نحو إضفاء الطابع البرلماني على نظامنا السياسي والدستوري.

 

يمكن قراءة الحصيلة المرحلية لحكومة عزيز أخنوش في سياق هذه اللعبة الديمقراطية بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، كما يمكن وضعها تحت مجهر ربط المسؤولية بالمحاسبة المعنوية عن تدبير السياسات العامة والقطاعية خلال سنتين ونصف.

 

وظيفة الحكومة هي الدفاع عما تعتبره منجزات حكومية، بينما يأتي الدور على المعارضة في غرفتي البرلمان لانتقادها. في الواقع هناك قيمة مضافة تاوية في عمق هذه اللحظة ونقاشاتها، وهي تسمح بتوسيع مجال الرؤية والتقييم.

 

والسؤال من هذه الناحية هو التالي: هل تمت ترجمة مخرجات ثامن شتنبر 2021 إلى تغيير سياسي؟ وإلى انتقال من مرحلة الى أخرى؟. فقد تكون الحكومة تعاقدت مع البرلمان حول تصريح نيل الثقة بناء على التزامات تدبيرية، لكنها تعاقدت قبل ذلك يوم الاقتراع التشريعي مع الناخبين على إنجاز التغيير الاجتماعي.

 

لما قدم عبد الرحمان اليوسفي حصيلته الأولية كان محكوما بالجواب عن سؤال ما الذي أنجزه في سياق التأسيس ل”الإنتقال الديمقراطي” الذي فتحه “التناوب التوافقي”، بينما كان على عبد الإله بنكيران أن يعرض حصيلة استكمال العبور الدستوري والسياسي نحو استكمال “الانتقال الديمقراطي”، في حين يمكن القول أن عزيز اخنوش قدم حصيلة مساعي الانتقال من “الانتقال الديمقراطي” الى ” الانتقال الاجتماعي”.

 

منذ 2017، كانت الرسالة الواضحة للأحداث الاجتماعية ااتي شهدتها تلك الفترة هي ان المنجز السياسي ل”الانتقال الديمقراطي” وحده لا يكفي، وان دواء الديمقراطية لا يشفي وحده امراض الجسد الاجتماعي، كان ذلك ايضا درسا بليغا استقيناه من انهيار البذخ الديمقراطي لثورة الياسمين أمام الهشاشة الاجتماعية في تونس.

 

تبدو حكومة عزيز اخنوش الحكومة الأكثر مشروعية ديمقراطية في تاريخ الحكومات المغربية، في تجربة غير مسبوقة صوت اكثر من 50 في المائة من الكتلة الناخبة في اقتراع الثامن من شتنبر 2021، بدا ذلك مفاجئا لكثيرين مقارنة بخطاب ” أزمة الثقة” و ” انهيار مؤسسات الوساطة”، غير ان الحافز و الرسالة الى الطبقة السياسية كانا واضحين من المواطنين: هذه دور استدراكية في الثقة، وهي محاولة جديدة للأمل والرهان عليه.

 

في هذا الأفق لا تسمح مدة سنتين ونصف بتكوين قناعة منصفة حول مدى انجاز التغيير السياسي الكامن في رسائل المواطنين ليوم ثامن شتنبر 2021، غير انه قد يجوز القول انه تم خلال هذه الفترة وضع أسس وآليات البنية التحتية الضرورية للتحول من “الانتقال السياسي” الى ” الإنتقال الاجتماعي”، فما أنجز اجتماعيا في نصف ولاية يفوق ما تحقق في ولايتين سابقتين.

 

والحق يقال، أن إرساء شبكة التوزيع الاجتماعي لخدمات “دولة الرعاية”، ووضع اليات المزاوجة بين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية، هما أيقونة ما انجزت حكومة 2021، مقارنة بمحدودية ما انجز في التشغيل وكبوة اصلاح التعليم بسبب التوتر الاجتماعي القطاعي.

 

كان هذا هو عمق مشروع ” الحماية الاجتماعية” و ومفهوم ” الدولة الاجتماعية” كما بلورهما الملك محمد السادس عقب خطاب العرش في يوليوز 2017، والحكومة تحظى لتحقيق هذه النقلة النوعية بدعم ملكي.ولذلك بدا عرضها امام البرلمان غزيرا في شق المنجز الاجتماعي رغم ظرفية دولية ومناخية غير مساعدة.

 

مشكلة الحكومة، والأحزاب المشكلة لها، انها تسوق مشاكلها بشكل افضل من منجزاتها، وتجعل برنامجها الحكومي وثيقة تدبيرية قطاعية بدون تأطير سياسي للمرحلة، ولو تخلصت من مأزق التواصل والخطاب لكانت في وضع افضل لدى الرأي العام.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.