Banniére SIAM

التنمية : لا تعني اكثر من سينما ومسرح جيدان ! 

0

قضيت ست سنوات بالجامعة متناسيا او محاولا ابعاد النداء القادم من الاعماق و مفاده : انني كنت اريد دائما دراسة السينما والمسرح وليس علم الاجتماع او علم السياسة, وان الفرد دائما ما لا يجد تفسيرا لما يحدث بشكل مخالف للرغبة عنده ، وعلى حد تعبير سبينوزا في “الاخلاق ” …فاننا علينا بقبول “المشيئة” فهي مكتوبة دون محاولة فهم ما يتعالى علينا من قبيل …لو اننا فعلنا كذا عوض هكذا .

وعليه فالانسان حيثما يشعر” بالتخفف “, اي صار مرتاحا نسبيا على اكثر من صعيد ، يعود لتتشكل لديه وجدانيا احلام الصبا ومن ثم الظهور من جديد ( فشل الكبح فرويد )، ولان الطفولة التي غامرت فيها ببلدتي الصغيرة كانت كافية لمنح هذا الفرد روحا مغايرة كثيرا لاجيال عاشت معه او بعده او من قبل ذلك كله .

وقبل مزيد من السرد لوصف وضع خاص كانت ابن جرير روحه وعلاقة ذلك بالهواية: حب السينما والمسرح والرواية والقصة والكتابة والموسيقى ، عموما، اؤكد ان كل ما يجنيه الفرد من حياته هو الطريقة التي تظافرت فيها عوامل التنشئة ، تنشئة طفل من الضروري اجتماعيا ونفسيا ان تتاثر باربعة اركان بحسب العلم وهي :

1الاسرة

2 الاقران

3المدرسة

4فضاء العمل او النشاط والتفاعل .

وهنا ستكون مؤثرات السنوات الاولى للدراسة بالنسبة لي سنوات (82-87) كافية لتغيير كل القيم ومعايير السلوك التي ورث منها هذا الطفل قليلا من التابث “الاورتودوكسي” الغير النافع في معركة الحياة ، لوالدة بسيطة واب حفظ القران وسلك معرفة فقهية بمدارس دار البارود وابن يوسف, علمته اشياء وغاب الكل في موضوع التنشئة الذي يعيب كل احوال السبعينيات الى نهاية القرن الماضي على مستوى : ماذا علينا ان نحمل لاطفالنا ليكونوا جيدين “مدينيين” واعين وقادرين على الانتماء الى زمنهم ؟ وهنا اقصد المهارات الحياتية ( التواصل، ادوات الحديث، حل المشكلات، اللغات، الملكات ،الهوايات، الثقافة).

في المقابل، وهذة ملاحظة جوهرية تحققت منها في بحثي لنيل دبلوم الماجستير عن علم اجتماع التنمية الذي ساقوم بطبعه وعرض مخرجاته بندوة قريبا ،ان مفهوم “الريف “او “ترييف المدن ” بتحويل المدن والمراكز الصغيرة الجيدة الى ما يشبه مجالات لاشكال ومعايير للسلوك تنبع من اتجاه” سيكولوجي ثقافي ” يؤثر على تنمية شعوب وبلدان العالم الثالث بتقدير منظرو هذا الاتجاه، وبالفعل يمكن للمتتبع اذا كان في عمر “امكانية الملاحظة” la possibilte d’observer .. اننا نعود الى الخلف عن كل ما كان سائدا حول الفهم …اعطاء معنى للموسيقى والرياضة والفن عموما, ومعايير السلوك السائدة في الاحياء ومن يمكنه ان يتعلم ممن ؟ اقصد انني كنت اقطن حيا في بداية تشكله (اسحيتة )، وان ابن جرير كان بها مركز للاشعاع وهو الذي لم يعد موجودا قطعا. فقد تعلمت المطالعة من مجموعة من ابناء احياء المدينة المحسوبة على الصف الاول، وشاركت في المسابقات الثقافية رفقة هؤلاء، ومارست المسرح في ذلك المركز في اماكن محددة مع اطفال اولياؤهم: اما رجال ونساء تعليم او تقنيون بالفلاحة او بيطريون او ممرضون او دركيون وابناء رجال الشرطة اوابناء مستخدمين بقطاع السكة الحديد والبريد وابناء” لاباز ” والفوسفاط ، اعني الطبقة الوسطى لابن جرير قديما… القادمين من كل الوظائف التي كانت سائدة في هذا الوسط المديني الحضري بالفعل والاقتناع…هنا يحدث الفرق الذي سيلعب دورا مفصليا في اختياراتي الى اليوم ، في طريقة تفكيري وتناولي للموضوعات، ورغباتي واهتماماتي، اعني، ان المركز بابن جرير كان “يجسد اشعاعا “ويؤثر في الناس من حوله لتعلم المهارات من خلال ما يطلق عليه بعلم النفس “عدوى الانفعالات”…اليوم لا توجد محطات تشبه الماضي القريب… وبالفعل, فتفسيرات العلوم الاجتماعية و نظريات التنمية اعطت من جانبها طرحا خاصا لما اعتبرته يدخل في باب تخلف بلدان العالم الثالث على المستويات: البشرية والاجتماعية والتعلمات ، والبيئة والاستدامة ,مجيبة عن سؤال : ما الذي يجعلنا اكثر ريفا من عقود خلت ؟ هنا لا تعني” البدونة” تلك المفردة التي توازي اشكال العيش ونماذجه، وانما يقصد بها غياب ” التعلمات ” اي ما يتعلمه طفل من طفل او رجل من رجل او سيدة من سيدة من التقنيات ( المهارات الحياتية )التي تسهم في الارتقاء بالذوق ، عبر الاشكال التعبيرية الكبرى : السينما والمسرح والشعر والزجل والرسم والموسيقى والفنون الشعبية والحرف… التي كانت تقوم بممارستها اسر وافراد ونخب حقيقية تريد للرعيل انذاك ان يقوم طباعه نحو التحضر والتحديث والحداثة مع تدوير دائم لماهو اصيل ليستجيب للعصر ،وتجريب فعال لمعنى توسيع اختيارات الافراد الثقافية.

رجوعا الى السينما والمسرح، فان ما ابغي الاشارة اليه اليوم ، هو ان الفن سيبقى جزءا هاما لمعرفة الانسان لذاته ، ومحيطه، والتعبير عن هذه الحيرة بكل وسيلة. كما ان الفن سيستمر ذفقا للمشاعر التي تارة تتجلى من اجل المقاومة ، مقاومة تخلف الانسان وتصويب اختلالاته، تجاوز قلقه ،اقتلاعه من محنته، رسم افق كي يتمرن ويتكيف ويتعلم . وكي تتسع عند هذا الانسان اماكن هروبه من القيود التي وجدها قدامه ، وكي ينشا الجميع بالفن تنشئة تدرب “المركزية الانسانية “على احترام البيئة والحيوان والجماد والحق وصون تقدم هذه الانسانية بدون نكوص نحو الشكل الاول الذي هو محور اشكال علماء اجتماع التنمية في انتقاداتهم.

عموما كان للمحيط ومركز المدينة ونخبة من الاطفال ذوو (الهابيتوس) المتفرد ان اخذ منها مجموعة من السلوكيات ، لا يسع المجال للكلام عن دور المدرسة الجديدة والمركزية والسويقة وجهود المعلمين هناك لترسيخ (هابيتوس) جوهري Primordial :

1انشطة بيئية .

2مسرحيات.

3مسابقات ثقافية بين المؤسسات .

4زيارة المعارض.

5 الشعر والكتابة والاناشيد .

6محترفات للموسيقى

اؤمن انه خفت مثل هذا النماذج اليوم وحلت المواد الاستهلاكية التي يقدمها” النت” لتسيطر على تفكير الاطفال وكل الاعمار امام عجز الجميع عن استعادة الجيل الحالي من غربته .

بالرجوع الى السينما ، والى ما يمكن ان يكون له عندي اكثر من دافع يتجاوزني ، فقد قمت مؤخرا بتحميل افلام مغربية كثيرة وتفرجت فيها من زاوية مختلفة ، ليس كما كنت قد شاهدت بعضها بالسينما من قبل، وانما لانه بات لدي اكثر من رؤية visions ( توماس خان) تدعمني في هذا الاتجاه تحليلات استاذ الثقافة بالكلية قبل سنة وهو يشرح محطات تحليل الفيلم داخليا وخارجيا… كان مفيدا هذا الاخير …وهو بالمناسبة سينمائي ومثقف، ومعه استعرضنا الكثير من التجارب الفنية داخل الفصل واصبحت لدي قناعة بان السينما فن جبار، كما ان استاذنا الغني عن التعريف كان يدعو الطلبة الى افلام بسينما كوليزي …وانه كان يتكلف بدعوات الدخول اغلب الظن فقط، لانه يموت في السينما ويعلم قيمتها .

فيما بوادي اخر فاكتشافي للسينما بورزازات التي قضيت بها سنة كمراقب باحدى الوحدات الفندقية عام 2005، واطلاعي عن قرب في مناسبات حول ظروف ال casting الكاستينغ الذي يجري هناك بالفندق ويحضره مئات من الوجوه figurants الكمبارس …منهم المغامرون وركاب الخيول واستعراضيو كمال الاجسام وكثير من الموهوبين ، هذه المحطات وغيرها من مناسبات تتعلق بندوات او خلافه، كانت ما تثير عندي الفضول في اقتحام هذا العالم من باب الكتابة او اخراج افلام قصيرة، وهو ما افكر فيه قبل فترة ،وهو ما جعلني اعيد مشاهدة كل السينما المغربية وما انتجته قبل سنوات، وحركت لدي فضول الكتابة المسرحية كذلك، وفهم القضايا وشرحها بالصوت والصورة والجسد لتصير اكثر تملكا ،فشاهدت مثلا افلام : كازا نكرا، بورن اوت، الحنش، الزيرو، مكاتيب، دلاس، امراة في الظل، la vida, jeu de l’amour, يا خيل الله، casa blanca by night, ومجموعة من الافلام القصيرة ابرزها، la cible , وفيلم “في النهاية اختفت” ، دون الحديث عن فرجة متواصلة للفيلم الدولي والوطني والمسرح ، احاول من خلالها العثور دائما عن جواب لسؤال ممكن وهو : كيف ان الصورة والصوت والجسد كلها مجتمعة يمكنها ان تنفع في فهم الظواهر والترافع عنها, ومساعدة العلوم في الاجابة عن اشكالات قائمة سواء… تعلق الامر بالقراءة العامة او تكميم القضايا حسابيا ومن تم حلها ؟مع ان الامر ليس بجديد، فتاريخ علم النفس التجريبي اعتمد على الفيلم الوثائقي لفهم وتحديد السلوك ( بافلوف، واتسن ) عند مجموعة من علماء النفس الروس ، الفيلم الوثائقي اشتغلت عليه الاتنثرلولوجيا وهي تفهم مقاصد المجتمعات (ثقافيا واجتماعيا )في تحركاتها وفي تاويلاتها اليومية للحسي والمرئي من الممارسات والافعال، وبالتالي فالسينما والمسرح اذاتان لهدف واحد .

فالعلوم تجاور الفنون صراحة لتفسير جيد ومحاولة مراقبة الظواهر والتحكم في نتائجها لخدمة تنمية الانسان واستيعاب محيطه.

قبل ان انهي ما فصلت فيه ، حصلت قبل فترة على كتاب من طالب باحث يحمل عنوان heritages, “الارث- المتاع” لمؤلفه طه بلافريج، في الحقيقة الكتاب بين طياته بالنسخة الفرنسية يحمل مشروعا ثقافيا مهما، استمتعت بقراءته على امل ان اقوم بالكتابة عنه ساعة انهائه، في الصفحة 146 ، الكاتب يتحدث عن السينما الايطالية وعن دور الفيلم ودور الاشباع البصري ، وتلك العلاقة الموضوعية بين اجيال تنتمي الى الربع الاخير من القرن العشرين واكتساب الثقافة، ومقاربة الموضوعات من خلال الفيلم الايطالي ونجومه كما يسرد الكاتب اسماءهم:

( Dino Risi ,Vittorio Gass)

ويحكي بشغف انتقال الطبيب Dino Risi من مهنة الطبيب والتحويل على السينما ، مكرسا حياته لها بعيدا عن مهمة الطبيب المعالج. كتاب طه بلافريج مشروع فعلي للتسلح بالفنون والاداب التي احب فيها الكثير من الوجوه ويقدم مشروعه رؤية عالم رياضيات مغربي درس بفرنسا ويشعر ان الثقافة هي القادرة على ان تعطي للمجتمعات معنى . واذا كنا بصدد السينما ومثانة طروحاتها باعتبارها وسيلة متجددة وتعبير راق عن الامم، وعن اشكالات اي مجتمع لديه بالتاكيد قضايا مؤرقة ، فان الفيلم الجديد للمخرج الشاب مولاي الطيب بوحنانة “SAHARI سلم وسعى ” الذي يحمل للعالم معاناة المغاربة بالمخيمات ورحلة العودة المكلفة والتمزق بين الاهالي الهنا والهناك، من خلال سيناريو وممثلين كبار ارادوا الترافع عن القضية الوطنية من خلال امكانيات السينما الكبيرة ، وهنا ماعلينا سوى الاشادة بالرجل وكيف يصبح المخرج والممثل والنص والذات والمشاهد خير وسيلة في عالم رقمي يحتاج الى افراد متعلمين واعين ولديهم تفكير بهدف يخدم تشكيل الوعي الجمعي conscience totale، لانه مهم في القرن الجديد للدفاع عن قضايا اي امة لديها اكثر من فرصة للتدافع عن همومها، وباعتبار ان الفن عموما هو نفسه صمام امان، واستيعاب جيد لكي تفهم الشعوب مصيرها، واداة للمقاومة، وقوة ناعمة تفقيهية وفضاء دبلوماسي مواز.

ساعود في مقال لاحق للحديث عن الفيلم ومخرجه الذي اشكره بدعوته لي لمشاهدة مشروعه، كما ساعود الى كتاب Heritages, من اجل قراءة يستحقها مشروع طه بلافريج ، اخيرا تحدوني الرغبة اليوم في كتابة السيناريو وفي فهم المسرح من خلال اعداد نصوص ، وادعو الى الاهتمام بالثقافة على غرار ندوة مركز الدراسات الافريقية ايام 31-1 من الشهر المنصرم ، التي اكنب فيها اكاديميون حول نفس الهم الذي لم يترك شكلا من اشكال التعبير التي عرفها المغرب المعاصر الا وكانت موضوع نقاشات خلال يومين كاملين، بمخرجات مهمة وبلغة انجليزية تريد التوجه نحو الغيرية Autrui لشرح: اننا كلما اردنا التقدم نحو الامام علينا تحصين الجبهة الداخلية بالثقافة والفنون. كما كان يرى ذلك الجنرال الفرنسي ” شارل ديغول” حكيم فرنسا وقائدها العظيم حينما ظل يؤكد ما مرة عباراته الاتية : ان كل رجل يكتب ويكتب جيدا يخدم فرنسا

Tout homme qui écrit et écrit bien sert la France.

 

ومعنى الكتابة هنا كل المبادرات القادمة من الفن والفكر اي من الثقافة، فهي اخر ما يتبقى للشعوب حصنها القوي المنيع والماتع.

 

صبري يوسف كاتب راي وباحث في علم اجتماع التنمية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.