على امتداد عقود خلت كانت ابن جرير مُستقبلة للمثقفين و السياسيين و مُحتضنة للنخب العالمة و كانت مسرحا للنقاش الصاخب الرصين و مشتلا للأفكار الصاعدة و الناشئة و كانت البلدة مسلحة بجيل من الصامدين في جبهات الفكر و الثقافة و الثالوث المقدس ” السياسة و النقابة و الحركات الاحتجاجية ” ، و كانت ابن جرير مستوردة للصالونات من محور البيضاء و الرباط و مُصدرة للنظريات و لأمهات الأفكار و كانت ملهمة للإبداع و حاضنة القمم بحضور شخصيات من عيار بن سعيد أيت إيدر و عبد الرحمان بن عمرو و ادريس بنزكري و خالد الجامعي و محمد بوستة و عبد الحميد أمين و نبيلة منيب و أحرضان و لعنصر و ادريس البصري و من طينة ادريس الخوري و كوكاس و مرية مكريم و نورالدين مفتاح و اللائحة طويلة لا يتسع المجال لذكر كل الأسماء و يبقى جوامع الكلام مبنى كل مقام و مقال في زمن صارت فيه ابن جرير تحن إلى الوراء و هي تعيش على إيقاع الفراغ و البياض و العدم و أضحت النذرة عملة مطلوبة في ظل الخواء.
و معلوم أن ابن جرير كانت في وقت من الأوقات متوهجة ثقافيا و فكريا و سياسيا و نقابيا و حقوقيا و اليوم لا ندوات و لا موائد مستديرة و بلاطوهات و مناظرات و إجمالا لا من يتحرك قيد أنملة في كل المجالات فأين اختفت العقول المدبرة و أين توارى الرواد و أين هو الخلف لخير سلف و هل يمكن الحديث عن الاختراق و الذوبان و الانصهار في بوثقة الانبطاح و هل من يقنعنا أنه مجرد كمون و البعث قادم ؟؟؟ إنها ابن جرير التي تغيرت من الحراك الموجب لتنمية الوعي و تعميق المعرفة إلى حراك من نوع آخر شفهي استاتيكي مغلف بوعي شقي و معلب بالاستكانة في الخلايا الساكنة المدمرة التي تظهر بعض مؤشراتها في الانحراف و الانجراف نحو شفير الهاوية…