قراءة في أشغال النشاط السياسي لقوى اليسار بابن جرير: وحدة يسار ليبرالي أم وحدة يسار اشتراكي ديمقراطي
بقلم : ياسير بلهيبة
نظم حزب المؤتمر الوطني الاتحادي بابن جرير يوم 9 فبراير 2013 ، بدار الشباب ، نشاطا سياسيا ارتبط بموضوع :” الانتقال الديمقراطي ووحدة اليسار المغربي ” أطره كل من: الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد نبيلة منيب و الأمين العام لحزب المؤتمر عبد السلام العزيز و العضو القيادي في حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي و الباحث المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية محمد ظريف.
المحطة شكلت امتحان لقدرة كل طرف على تجديد منظوراته و استراتيجياته ، وللأسف فإن المعبر عنه كان جد متخلف عن متطلبات الصراع الطبقي و السياسي بالمغرب، كما أن بعض الجوانب الخلافية في التقدير السياسي للمرحلة و للهوية شكل عائقا أمام مقاربة متزنة لإشكالات ” النضال الديمقراطي ووحدة اليسار المغربي عموما ” ،ولأن ديكتاتورية الوقت لم تكن تسمح ببسط العديد من وجهات النظر ، فإنني أحاول إعادة طرح أهم الإشكاليات والخلافات ، اعتقادا مني أن النشاط الناجح كالكتاب، يبتدئ من حيث ينتهي :
الانتقال الديمقراطي ومهمات اليسار :
اعتبر عبد السلام عبد العزيز ، في تعليقه على مقارباتي لأزمة اليسار : أن تخلي البورجوازية ودمورها بالمغرب عن القيام بوظيفتها السياسية و الطبقية ، من حيث تبنيها المنظور الليبرالي ، فرض فرضا على اليسار المغربي الديمقراطي الإنابة عنها في القيام بوظيفة البورجوازية و الدفاع عن التطلعات الليبرالية .
طبعا الإجابة نفسها صاعقة ، فالحديث هنا لم يعد مجرد تخمين لإمكانيات بناء يسار تحرري ديمقراطي اشتراكي ، بل عن يسار ديمقراطي تحرري ليبرالي ، ومن ثم فإن الجبهة التي يبحث عنها هدا المنظور هو جبهة بناء أقطاب معارضة يسارية ليبرالية على شاكلة ما يقع في فرنسا في مواجهة اليمين المتطرف ، وان اتهام الاتحاد الاشتراكي و التقدم و الاشتراكية و الحزب العمالي بالانعراج يمينا لا يخرج المنتقدون عن الانعراج وان كان في طور البناء كمشاريع مستقبلية ترتبط مدى انعراجها بإتاحتها إمكانية المشاركة في الحكم حسب موازين القوى .
التأكيد أيضا على أن لا وحدة إلا مع اليسار الديمقراطي في مواجهة عنف الدولة ونبد العنف المضاد هو إعلان جديد ، عن تبني منظور إقصائي ضد مقاربات اليسار الشيوعي بالمغرب أو لنقل اليسار الثوري ، وبالتالي فتوصيف الوحدة في غياب هاته الفصائل هو توصيف يزيد من إجهاض الحلم الكبير لليساريين ، وهو خطأ يقع فيه هذا المكون ، كونه لا يختلف في شيئ عن المنظورات الاقصائية لليسار الثوري ألاستئصالي لليسار الديمقراطي بتهمة الإصلاحية ، ومن ثم فإن الأمل الذي ولدته حركة 20 فبراير في التعايش السلمي بين الفصائل اليسارية يتم التخلف عنه بآلاف الأميال ويتم وأده اليوم بهكدا تحليل وموقف…والمبرر في دلك أن الماركسية اللينينية لا تؤمن بالديمقراطية وتعتبرها منظورا بورجوازيا ، وهي مقاربة لا تتلاءم مع المنظورات الماركسية اللينينية ، باعتبار أن لينين كان يؤكد على النضال داخل مجلس الدوما في مواجهة الحكم الأوتوقراطي القيصري ، وأن الثورة كانت خيارا ضمن خيارات ، بدليل ان الشعبين المصري و التونسي لم يختار العنف حبا او تبنيا لبرنامج تنظيم سياسي معارض ، بل دفعا إليه دفعا في ظل هيمنة المنظور السياسي التنظيمي الرجعي لقوى السلام السياسي وتحالفها الضمني مع فلول النظام السابق و تبنيها لعنف الدولة.
وفي الوقت الذي تبحث فيه منيب عن وحدة على أسس برنامج انتقالي إلى الحلم الاشتراكي الكبير بالمغرب ، يترك فيها للمغاربة إمكانية تبني برامج اقتصادية تحددها صناديق الانتخاب ، بسقف فصل الملكية عن إدارة الحكم ، ملكية برلمانية ، فان حزب المؤتمر الوطني أقصى ما يطمح إليه توافق مع الملكية تمكنه من تدبير دفة الحكم كما فعل حزب اليوسفي و بنكيران ..بغض النظر عن المنظورات الاقتصادية البدائلية لليسار العالمي سواء الإصلاحي التوفيقي او الراديكالي ، وهي مقدمات تغتال أي إمكانية ” لبناء المغرب الآخر الممكن ” فعن اي تحالف يتحدثون ؟ومع من ؟ وعلى أية أرضية هل على أرضية الهوية و المرجعية أم على أرضية الحنين و الانتماء إلى الماضي؟
أزمة وحدة اليسار المغربي من أزمة اليسار العالمي
يعالج المتدخلون أزمة اليسار نظريا وممارسة من منظور الخصوصية أو الاستثناء المغربي ، دون استحضار أن الشرط المغربي لا يخرج عن الشرط العالمي ، ومن ثم فقد أضاع المتدخلون الخيط الناظم في النقاش ، كما أضاع اليسار العديد من المراحل و المحطات بإتلافهم للتكتيكات المناسبة لكل مرحلة او كما يقول أهل الجبهة في فلسطين ” باسم التكتيك خانوا القضية “.
إن أزمة اليسار المغربي لا تخرج عن الأزمة العالمية ،و التي تكمن في التجدد النظري والممارساتي ، ففي نهاية الثمانينيات حيث ثم الاعلان عن نظام عالمي احادي جديد، رافقه الإعلان عن انهيار الاتحاد السوفياتي و المعسكر الشرقي ، سرت حمى الإحباط في مجموع اليسار العالمي ، فاعتنق العديد المذاهب الليبرالية كما فعل جوسبان في فرنسا وغيره ، بالمقابل سعى قسم راديكالي ومبدئي من اليسار إلى تجديد أطروحاته ، فانشأ معسكرات تدريبية جديدة في مقاربة الاحتجاج الجماهيري المنظم ، من خلال الدعوة إلى جبهة عريضة في مواجهة العولمة الليبرالية ، ونجح في تأطيرها من خلال مبادرات العديد من النخب اليسارية العالمية، كنعوم تشومسكي وألان وودز و ايناسيو رامونيه وغيرهم.. في إطار المنتديات الاجتماعية العالمية ، و التي توجت باحتجاجات ناجحة ، بسياتل و الأخرى المناهضة للحرب ، وتقوت بالحركة البيئية و الحقوقية والمناهضة للحرب و الحق في السكن و الحق في الأرض لمن يزرعها ..الخ ،مما ساهم إلى حد ما في تعديل لميزان القوى العمالي المهترئ ، وشرع المتدخلون يطرحون بدائل مجتمعية يسارية من خلال مطلب :” إن عالما أخر ممكن ” وقد ضمت هده الجبهات الأحزاب اليسارية الديمقراطية و الثورية و القومية والمعادية للراسمالية..الخ .
كما دخل المثقفون العرب في إعادة مراجعتهم منتوجهم النظري اليسراوي : كسمير امين ، بلقزيز ، كريم مروة ، جيلبر الاشقر …الخ وهي منظورات همت إعادة طرح المداخل الجديدة الغير التكفيرية في محاولة لإبرام رابطة صلح مع التنظيم الجماهيري ، فانتجت كتراكم ما نراه اليوم الى حد ما ، حالة التوليفات السياسية و الإيديولوجية .
اهتراء الأدوات البرنامجية للأحزاب اليسارية الغير المتجددة :
لم تستفد بعد ، المنظمات اليسارية المغربية من الفعل الجماهيري في المحيط الإقليمي و العالمي ، و الذي اعتقد انه يبنى على استيعاب الأسس البرنامجية التالية التي لم تذكر :
استيعاب حالة المد الجماهيري : إن استيعاب المد الجماهير لا يتأطر بالتنظيم السياسي للجماهيري الفج و الاسقاطي ، بل بالتفاعل معه ، ففهم سيكلوجية الجماهير ، يرتبط بفهم الأضرار الاقتصادية على أوضاعه الاجتماعية ، قبل السياسية ، ومن ثم السهر على إعداد نخب التغيير و التأطير اليسارية المبدئية و الواعية بمهامها في مساندة وتوجيه مطالب الجماهير ، دون المزايدة عليها أو تحميلها ما لا يطيقه زمنها ومكانها الاحتجاجي،و التوقف عن أجرأة أدوات استقطاب مهترئة تقليديةـ تعتمد على مراكمة الكم دون تكوين النوع ..ومن ثم وجب الوعي بأن الحركة الاحتجاجية المغربية تتطور في اتجاه تبلورها كحركة اجتماعية قائمة الذات ،شبه منظمة ، لكن رؤاها السياسية غير واضحة .والغالب عليها العفوية المنظمة أي في الطور البدائي لمفهوم التنظيم الذاتي للجماهير ، و الذي سيقويه حالة تجدد النظرية و الممارسة في أدبيات اليسار.
استيعاب أزمة الطبقة العاملة : لا تنتفض الطبقة العاملة في الألفية الثالثة العربية ، بنفس منظورات حالات القرن العشرين ، من حيث كونها المبادرة بل هي الطرف الأضعف التي تنتظر مخلصيها بعد أن فقدت الطليعة العمالية موقعها التنظيمي ارتباط بعجز الأداة السياسية في التغيير و التجميع و التحالفات الطبقية ..وهي حالة سبق شيء منها إبان انتفاضة الطلاب 1968 والخروج عن توصيفات الشلل للحركة العمالية العالمية أنداك …ومن ثم لا يمكن الحديث عن جبهة رافضة جماهيرية دون الحديث عن جبهة عمالية مدخلها بناء يسار نقابي …والحال أن مكونات اليسار المغربي عموما عاجز كل العجز، عن تقديم بدائل حقيقية برنامجية ، اللهم ” شخبط لخبيط ” اللهم المزاجية الكارزماتية و التدبير اللحظي الغير المنتبه إلى الاستراتيجي .
استيعاب مهام اليسار عموما : إن مهمة اليسار الديمقراطي يكمن في تحفيز النضال الجماهير و الارتباط الفعلي بمكونات اليسار الجدري على أرضية المهام الميدانية في النضال وليس في الشعارات البرنامجية المرتبطة بسقف المطالب : كالحق في التعبير والحق في التنظيم وضد المحاكمات وفتح المقرات و التنسيق الميداني ضد لوبيات الإقطاع ومافيوزات ربط السلطة بالمال و التضامن و النضال ضد الميزانيات العامة التي يحكمها غياب الرقابة الشعبية و تكريس التبعية بالمديونية ..أما اليسار الديمقراطي فيرتبط بالإجابة ، قبل الانتقال إلى مشروع ورقي اسمه الفيدرالية ، عن سؤال : أي يسار نريد؟هل يسار يضع في أجندته بناء مغرب آخر ممكن ببدائل اقتصادية غير ليبرالية تبعية ، أم اجترار مراحل انتقال ديمقراطي غير قابلة للتطور جامدة في مكانها ، ولا تضع تحرير الإنسان المغربي ضمن أولوية أولوياته ، مما سينعكس على تصوراته في تربية منخرطيه وتثقيفهم ومدهم بسلاح المعرفة الضروري ، ومما سيؤهلهم ليلعبوا دورهم الحقيقي برؤى واضحة لحظة صحوة الجماهير وخروج الكتلة الصامتة في طوفان هادر ..
استيعاب المهام الثقافية :حينما طرحنا منظوراتنا التثقيفية وضرورة تجديد النخب كمهمة دي اولوية ، كان البعض يستهزئ ، لكن اليوم تدعو منيب وغيرها إلى ضرورة تحقيق ثورة ثقافية وهو أمر نستحسنه ليس من منظور ماوي ، ولكن من منظور تنويري مرن في مواجهة منظورات الاستبداد سواء كانت رجعية أم مستنيرة ، وهو الدور الذي شرع اليساريون يتداركونه بعد استيعاب إمكانيات التعايش بين الإسلام السياسي و الامبريالية بل وتحول الإسلاميين إلى مصاصي دماء الشعوب بعقدهم اتفاقيات مخزية مع المؤسسات المالية والمتاجرة بريبة القروض و الاستدانة الدولية ، وضرب مجانية وجودة بالخدمات العمومية و إثقال الفقراء بالضرائب في تحالف مع أرباب العمل و البورجوازيات المتسلطة .
ياسير بلهيبة :كاتب و ناشط نقابي وحقوقي ، نشط في العديد من المنظمات النقابية و السياسية و الحقوقية ، كاتب إقليمي لنقابات إقليم الرحامنة ا.م.ش وعضو سابق بالسكرتارية لوطنية لاطاك المغرب وعضو حالي باللجنة الوطنية للإعلام لاطاك، رئيس مركز الدراسات و التثقيف الذاتي بالمغرب .
ملحوظة : اعتذر عن الأخطاء اللغوية و الإملائية بالنظر إلى أن المقال كتب في زمن قياسي ارتبط مع حداثة النشاط.
