لاغرابة أن تكون انتخابات 2015 الجماعية، التي تجري في ظل ما يسمى بالدستور” الجديد”، نسخا مطابقة ــ في أوساخها وبلطجيتها وانحدار آدابها، وتهافت انتهازييها ورواج سوقها ــ للانتخابات التي عرفها المغرب ـ وخاصة ـ مع انطلاق ما سمي بالمسلسل الديمقراطي سنة 1976، مع فارق في الشكل وفي التحولات الديمغرافية والسوسيولوجية فقط .حيث أن انتخابات الحسن الثاني ، كانت تتسم بالتدخل المباشر السافر العنيف في صنع الخرائط الانتخابية بالتزوير المكشوف بدءا بالتقطيع وإعداد اللوائح و”تأميم” مكاتب التصويت ،وطبخ المحاضر، وتزوير النتائج، وصنع المجالس وتعيين الرؤساء، وإسقاطهم ،وإعداد الميزانيات وإجازة الحسابات الإدارية ورفضها. باختصار شديد ، كانت الديمقراطية الحسنية على الطريقة المغربية تتكفل (ولله الحمد والشكر) بكل شيء من أجل راحة وطمأنينة واستقرار “الرعايا” الأوفياء.
أما انتخابات اليوم ، فهي تساير تحولات اليوم وتتناغم مع “الاستثناء” المغربي، الذي لم يعط الدليل والبيان على استثنائه إبان الإعداد والدعاية للاستفتاء على دستور 2011، والذي لم تخرج مساطره وأجواؤه ونتائجه عما عهدته الأنظمة المنهارة بعد “الربيع” الذي تحول إلى شلالات من الدم المراق والرؤوس المقطوعة. وأجبرت (انتخابات اليوم) على التكيف مع اللمسات الناعمة للاستبداد الناعم ، فغابت عنها الخشونة الزائدة عن اللزوم، ولم تعد تتزحزح عن نسق “الأصالة والمعاصرة” (بالمعنى الثقافي) التي أحدث لها المخزن العزيز حزبين على مقاييس الأبعاد الثلاثة: واحد يميني مخزني في جبة الحداثة، والآخر يميني مخزني متأسلم ، يرتدي بهتانا قناع (خدام الله) وفيلق من أحزاب “البدون” بدون هوية وبدون أساس فلسفي، مبرر وجودها هو تمييع الذوق السياسي العام وتخريب مناعة صمود جماهير الشعب بكل قيم الرذيلة. وبذل المخزن ذاته مجهودا في “عصرنة” الآليات والأساليب بما يوحي ـ على سبيل الاستحمار ـ بحياد الإدارة ، وبكونها على مسافة من الجميع وفوق الجميع، وأن ما يجري على الأرض من فساد وإفساد وترحال وتجوال وبيع وشراء ، هو من صنع الفاعلين السياسيين يمينهم ويسارهم ، مدانين وأبرياء، وبما يضمن للمخزن ( وهو المهم) نفس الأهداف والغايات وفي مقدمتها الإيغال في إفساد المشهد السياسي والحزبي بخلفية تصويره وتقديمه لعموم الناس، أنه راش ومرتش وفاسد ومفسد وانتهازي حقير بلا ضمير ولا أخلاق. وبالنتيجة فهو قاصر وعديم الأهلية ولا يستحق أن توكل إليه مسؤوليات تسيير الحكم ، بما يدحض إصرار بعض التعبيرات السياسية ( اليسار بصفة خاصة) التي ما فتئت وما زالت تطالب بإعادة فتح الملف الدستوري وصياغة معماره صياغة ديمقراطية، تنتقل بموجبها كل السيادة للشعب، وتتحول صلاحيات الملك واختصاصاته إلى الحكومة المنتخبة انتخابا حرا ونزيها، ما يعني أوتوماتيكيا عند اليسار “الملكية البرلمانية” كما هو متعارف عليها عالميا دون لف أو دوران.
وفي الاستنتاج، فإن بنية النظام المخزني لا ترى غضاضة في الحفاظ على الجوهر ، وهو إحكام السيطرة على العقل السياسي ، وتنميطه للعب أدوار ثانوية وهامشية و”كوميديانية” في لعبة يتحكم في كل تفاصيلها، ليقدم للغرب الذي يهم الدولة بالأساس ، صورة خادعة للاستهلاك والترويج لمقولة “الاستقرار” الذي ينعم به المغرب.
وإذا كانت الدولة بدرجة أكبر، تتحمل أسباب ومبررات هذا التعفن السياسي منذ منتصف سبعينيات القرن المنصرم، فإن للمجتمع وتعبيراته السياسية والمدنية جزءا غير يسير في عرقلة هذا “الانتقال الديمقراطي” المعاق والذي ساهمت بعض القوى الحاملة والحالمة لمشروع التغيير المجتمعي في الإبقاء على حالته الستاتيكية إن لم نقل الارتدادية ، خاصة في كثير من منعرجات التاريخ الاستثنائية .
وتأسيسا على ما سبق، فإن إدانة الدولة بمفردها في هذا الانحدار المهول الذي وصل إليه الفعل السياسي، وفي قلبه الانتخابات، وتبرئة ذمة المجتمع ومعه الفاعل السياسي، لا يليق بأي تحليل يبتغي الموضوعية والاستقلال الفكري.