تمرد صامت في معقل “الجرار”: هل بدأ العد العكسي لنهاية نفوذ البام في الرحامنة؟
في تطور غير مسبوق داخل المشهد السياسي بإقليم الرحامنة، بدأ يتشكل ما يشبه تمردًا صامتًا في صفوف حزب الأصالة والمعاصرة، الحزب الذي طالما اعتُبر القوة السياسية الأولى في المنطقة. الغليان الحالي الذي تشهده قواعد الحزب، لم يعد خافيًا، بل تجسد أخيرًا في خطوة احتجاجية قادها البرلماني السابق ورئيس جماعة سيدي عبد الله، عبد الحق فائق، الذي أعلن صراحة عزمه الرحيل صوب حزب الاستقلال، احتجاجًا على ما أسماه “التماطل والتسويف والإقصاء” داخل مؤسسات الحزب.
من القمة إلى القاعدة: انهيار الثقة
رغم أن “الجرار” يحتفظ بمفاتيح العديد من المجالس المنتخبة في الرحامنة، من بينها المجلس الإقليمي ومجلس الجهة، إلا أن الهوة آخذة في الاتساع بين القواعد والقيادات. ووفقًا لتصريحات عبد الحق فائق، فإن جماعته – التي منحت الحزب فوزًا مريحًا في الانتخابات – لم تجنِ سوى الوعود المؤجلة، دون أثر ملموس على مستوى التنمية المحلية.
“كل ما حصلنا عليه هو سيارة نقل مدرسي يتيمة!”، يقول فائق بمرارة، قبل أن يضيف: “بلغنا نهاية الولاية دون أي إنجاز يذكر… فبأي وجه نطلب من الساكنة تجديد الثقة؟”
احتقان داخل الهياكل وتجميد للمبادرات
فائق ليس صوتًا معزولًا. بل تمثل تصريحاته صدى لتذمر واسع يسري داخل صفوف الحزب بالإقليم. وقد تفاقم هذا التذمر بعد قرارات مفاجئة بتوقيف منسقيات محلية كانت قد بدأت في استعادة نبض التواصل السياسي، وعلى رأسها المنسقية المحلية بابن جرير، التي تم تجميدها رغم إشعاعها وتنظيمها لأنشطة تأطيرية ناجحة.
هذه الخطوة فسّرها العديد من المتتبعين بـ”الضربة الممنهجة لأي محاولة إصلاح من الداخل”، في ظل هيمنة “جهات مركزية” على القرار، تقاوم كل دينامية جديدة بروح الإقصاء والولاء المطلق.
انفجار صامت أم هجرة جماعية؟
التحول المرتقب نحو حزب الاستقلال لا يمكن قراءته كخطوة فردية. فالمؤشرات القادمة من سيدي عبد الله وسواها من الجماعات القروية تؤكد أن القرار يتجه ليكون جماعيا، ويضع “البام” أمام أزمة بنيوية حقيقية، تمس ليس فقط قياداته المحلية، بل أيضًا قدرته على تجديد نخبه وتماسكه التنظيمي.
والأهم من ذلك، أن هذا الحراك قد يفتح الباب أمام إعادة رسم الخارطة السياسية بالرحامنة، في وقت بدأ فيه الناخب يعبّر عن سخطه تجاه الأحزاب التي لا تفي بوعودها.
بين الإقصاء والانفتاح: مفترق طرق حاسم
أمام هذه التفاعلات المتسارعة، يجد حزب الأصالة والمعاصرة نفسه في مفترق طرق تاريخي. فإما أن يختار الانفتاح الحقيقي على مناضليه، وتصفية الأجواء التنظيمية بقرارات شجاعة وشفافة، أو يستمر في منطق الإقصاء والتحكم الذي قد يُفقده ما تبقى من قلاعه الانتخابية.
ففي زمن تغيرت فيه معايير الولاء السياسي، ولم تعد الأسماء كافية لضمان النتائج، فإن التمادي في تهميش الطاقات المحلية سيكون بمثابة مغامرة خاسرة قد تعجّل بتفكك الحزب داخل أحد أبرز معاقله التاريخية.
