حين يغيب الوزراء… وتُفرَّغ المساءلة من معناها

0

لم يعد الغياب المتكرر لعدد من الوزراء عن جلسات البرلمان مجرد تفصيل عابر في روزنامة العمل التشريعي، بل تحول إلى ظاهرة مقلقة تطرح أكثر من علامة استفهام حول جدية الالتزام بالوظيفة الدستورية، وحول مكانة المؤسسة البرلمانية في الممارسة السياسية اليومية.

 

فما حدث خلال الجلسة الأخيرة لمجلس النواب، وما رافقه من توتر وصدام لفظي بين الأغلبية والمعارضة، لم يكن في جوهره خلافاً لغوياً حول توصيف هنا أو عبارة هناك، بل كان انعكاساً صريحاً للاحتقان المتراكم بسبب الإحساس المتزايد بأن البرلمان يُترك وحيداً في أداء دوره الرقابي، في وقت يُفترض فيه أن تكون الحكومة أول من يحترم هذا الدور.

 

إن مشهد وزراء يحضرون بكثافة في الأنشطة الحزبية والجولات الجهوية، مقابل غيابهم عن جلسات المساءلة والمحاسبة، يبعث برسالة سلبية إلى الرأي العام، مفادها أن العمل المؤسساتي يمكن تأجيله، وأن الرقابة البرلمانية ليست أولوية. وهي رسالة خطيرة تمس جوهر الديمقراطية التمثيلية، التي تقوم أساساً على ربط المسؤولية بالمحاسبة.

 

والأخطر من ذلك، أن ظاهرة الغياب لم تعد محصورة في السلطة التنفيذية وحدها، بل امتدت لتشمل أيضاً عدداً مهماً من البرلمانيين أنفسهم، كما كشفت الأرقام المتعلقة بالتصويت على مشروع قانون المالية، حيث غاب مئات النواب والمستشارين عن جلسات مصيرية. وهنا يحق للمواطن أن يتساءل: من يُمثل من؟ ومن يراقب من؟

 

إن البرلمان ليس فضاءً بروتوكولياً ولا مجرد محطة للتصريحات، بل هو قلب التوازن الديمقراطي، والضامن الأول لشفافية القرار العمومي. وعندما يفرغ هذا الدور من مضمونه بسبب الغياب أو التهاون، فإن الخاسر الأكبر هو الثقة في المؤسسات، وفي السياسة ككل.

 

إن استعادة هيبة البرلمان لا تمر عبر السجالات اللفظية ولا عبر تبادل الاتهامات، بل عبر الحضور المنتظم، والالتزام الجاد، واحترام الزمن التشريعي، وربط المسؤوليات بالمحاسبة الفعلية. فالدستور لم يُكتب للاستهلاك الخطابي، بل ليُفعل في الواقع، داخل القبة التشريعية، حيث يجب أن يحضر الجميع… حكومةً وبرلماناً.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.