من «حركة لكل الديمقراطيين» إلى نتائج 2026.. هل تعيد الخريطة الانتخابية طرح سؤال التقارب السياسي؟
حين أُعلن عن تأسيس «حركة لكل الديمقراطيين» سنة 2008، لم يكن الأمر مجرد ميلاد مبادرة جديدة في المشهد السياسي المغربي، بل فتح أيضاً نقاشاً حول قدرة تيارات سياسية مختلفة في مرجعياتها وتجاربها على إيجاد أرضية مشتركة حول قضايا الديمقراطية والحداثة والإصلاح.
استُقبلت المبادرة آنذاك بقراءات متباينة؛ فمنتقدون رأوا فيها محاولة لإعادة ترتيب الحقل الحزبي من خارج الأحزاب القائمة، بينما قدم مؤسسوها تصوراً يقوم على تجميع عدد من الطاقات والتيارات التي تتقاطع حول بعض الرهانات السياسية والفكرية.
وبعد 18 سنة، أعادت نتائج الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 بعضاً من تلك الأسئلة إلى الواجهة، لكن ضمن سياق سياسي مختلف تماماً.
فبحسب النتائج المؤقتة التي أعلنها وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، فالعدالة والتنمية بـ54 مقعداً، والحركة الشعبية بـ29 مقعداً، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ26 مقعداً، والتقدم والاشتراكية بـ19 مقعداً، فيما حصل تحالف اليسار على 8 مقاعد. وبلغت نسبة المشاركة الوطنية 38.08 في المائة.
وتسمح هذه الخريطة، من الناحية الحسابية، بتصور أكثر من تركيبة ممكنة. ومن بينها جمع مقاعد الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، والتي تبلغ في مجموعها 207 مقاعد، مقابل 198 مقعداً تمثل الأغلبية المطلقة داخل مجلس النواب المكون من 395 عضواً.
غير أن الحساب البرلماني لا يعني وجود تحالف سياسي. فامتلاك هذه الأحزاب، مجتمعة، العدد الكافي من المقاعد لا يعني أنها اتفقت على تشكيل أغلبية أو على برنامج حكومي مشترك.
وهنا تكمن أهمية اللحظة السياسية الجديدة: هل يمكن الانتقال من مجرد تقاطع محتمل في بعض المرجعيات إلى اتفاق فعلي حول السياسات العمومية والأولويات الاقتصادية والاجتماعية والإصلاحات المؤسساتية؟
فالأحزاب المعنية تحمل تجارب ومواقف وبرامج مختلفة، كما أن موقع كل منها داخل الحياة السياسية المغربية خلال السنوات الماضية لم يكن واحداً. ولذلك فإن أي تقارب بينها يحتاج، قبل كل شيء، إلى توافق سياسي وبرنامجي واضح، وليس فقط إلى عملية جمع للأرقام.
وتعيد هذه المعطيات أيضاً إلى النقاش فكرة تجميع التيارات الديمقراطية والحداثية التي رافقت بعض النقاشات السياسية منذ أواخر العقد الأول من الألفية. غير أن استحضار تجربة «حركة لكل الديمقراطيين» لا يعني بالضرورة أن الخريطة الحالية تمثل امتداداً مباشراً لها، كما لا توجد معطيات موثقة تسمح بالقول إن تركيبة حكومية محددة جرى التخطيط لها منذ سنة 2008.
أما الحديث عن تحالف اليسار، الذي حصل على 8 مقاعد، فيفتح بدوره احتمالاً مختلفاً يتعلق بطبيعة العلاقة بين المعارضة والأغلبية. فالمساندة البرلمانية، إن طُرحت، تختلف عن المشاركة الحكومية، ويمكن أن ترتبط بملفات أو إصلاحات محددة مع الحفاظ على الاستقلالية التنظيمية والسياسية.
وفي المقابل، فإن مواقع الأحزاب داخل الأغلبية والمعارضة لم تُحسم بمجرد إعلان النتائج المؤقتة، إذ ستتحدد من خلال المشاورات السياسية المقبلة. وينص الفصل 47 من الدستور على تعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها، فيما يتطلب تنصيب الحكومة حصول برنامجها على ثقة مجلس النواب وفق مقتضيات الفصل 88.
وتبقى نسبة المشاركة إحدى أبرز المعطيات التي تفرض نفسها على قراءة النتائج. فقد بلغت 38.08 في المائة، مقابل 50.86 في المائة سنة 2021.
ولا يمكن اختزال أسباب عدم المشاركة في تفسير واحد، كما لا تسمح الأرقام وحدها باستنتاج دوافع الناخبين الذين لم يصوتوا. غير أن الفارق المسجل يضع أمام مختلف الأحزاب سؤالاً حول طبيعة العلاقة مع المواطنين، ومدى قدرة المؤسسات التمثيلية على استعادة الثقة وتقديم إجابات ملموسة عن القضايا الاجتماعية والاقتصادية.
من رهان 2008 إلى اختبار 2026
إذا كان تأسيس «حركة لكل الديمقراطيين» قد ارتبط بفكرة تجاوز بعض أشكال التشتت والبحث عن مساحات مشتركة بين تيارات مختلفة، فإن نتائج انتخابات 2026 أعادت طرح السؤال في سياق جديد.
لكن الفارق الأساسي أن الأمر لم يعد يتعلق بمبادرة سياسية خارج البنية الحزبية، وإنما بخريطة برلمانية أفرزتها صناديق الاقتراع، وبأحزاب تمتلك مواقع وأوزاناً تفاوضية مختلفة.
لذلك، فإن قيمة اللحظة الحالية لا تكمن في البحث عن تطابق بين مشروع 2008 وخريطة 2026، بقدر ما تكمن في اختبار قدرة الأحزاب على تحويل التقاطعات المحتملة إلى تعاقد سياسي واضح حول البرامج والسياسات العمومية.
فالأغلبية لا تتشكل بالأرقام وحدها، كما أن المعارضة لا تُختزل في عدد المقاعد. ما سيمنح الخريطة الجديدة معناها السياسي هو ما ستسفر عنه المشاورات، وطبيعة البرنامج الحكومي، وموقع كل حزب، ثم قدرة المؤسسات على محاسبة المسؤولين المنتخبين ومساءلتهم.
وبين سنة 2008 وسنة 2026، تغير الكثير في المشهد السياسي المغربي. أما السؤال الذي بقي حاضراً، فهو قدرة القوى السياسية المختلفة على تحويل التقاطعات النظرية إلى مشاريع مشتركة قابلة للاختبار أمام المواطنين والمؤسسات.
