من الارادة السياسية الى المأسسة المجتمعيةوالترابية : كيف نحول رهاني التشبيب والمناصفة إلى ثقافة عمومية راسخة؟
كتب : خالد مصباح
مقدمة مركزة :
في اطار سياق تشكيل حكومة جديدة بالمغرب، وفي إطار انتخابات 23 شتنبر 2026، برئاسة امرأة، حيث تعتبر خطوة عملية ملموسة نحو تحقيق رهان المناصفة وتعزيز حضور الكفاءات الشابة في أرفع مناصب القرار السياسي بالبلاد. غير أن هذا المنجز، رغم دلالاته الرمزية والسياسية القوية، يطرح مجددا السؤال الجوهري حول مدى قدرته على التحول من مجرد إرادة سياسية شكلية ومبادرة موقوفة على ظرفيات التعيين، إلى ثقافة مؤسساتية راسخة وسلوك إداري ومجتمعي متجذر. فالرهان الحقيقي لا يقف عند حدود التوازنات المركزية، بل يتعداه إلى مأسسة هذه الدينامية ترابيا وضمان سريانها في القواعد الحزبية والإدارية اليومية.
مما يطرح الكثير من الاسئلة المحرجة :
_ هل استطاعت هذه الحكومة من خلال تركيبتها، ان تكون دامجة للنساء والشباب، معا؟
_ ما هو حجم حضور النساء والشباب بتركيبة هذه الحكومة، الشيء الذي يفرض علينا القول، انها راعت المناصفة؟
_ لماذا لم تستطيع حكومة المغرب الجديدة بقيادة نسائية، ان تفرض الية المناصفة في الولوج الى القرلر العمومي؟
واسئلة وغيرها نعتقد انها ظلت دون الاجابات الكافية، في ظل هذه الهندسة الحكومة الضحمة التي 32 عضو وعضوة، دون الوصول الى طموح التشبيب والمناصفة.
السياق العام :
في أدبيات العلوم السياسية وتدبير الشأن العام، تعد الإرادة السياسية، القاطرة الأساسية لإثارة الإصلاحات الكبرى وإطلاق الاورش التشريعية المهيكلة للبناء الديمقراطي، إلا أن الاعتماد الحصري والسيادي على هذه الإرادة يظل، في الوقت نفسه، هشا ومحفوفا بالمخاطر، إذ يهدد بتحويل أهداف استراتيجية كبرى مثل تشبيب القرار العمومي وتحقيق المناصفة بين الجنسين، إلى مجرد مبادرات موقوفة على نوايا الفاعلين أو تصفيف رقمي واجهاتي يغيب بمجرد تغير التوازنات أو الاشخاص.
وفي ظل هذا الراهن المغربي، والاختلالات الهيكلية التي تعاني منها البيئة الحزبية، والمقاومة البيروقراطية داخل الإدارة العمومية، يبرز السؤال الجوهري لتطوير النقاش العمومي، كيف يمكن تحويل رهان تشبيب القرار والمناصفة من قرار سياسي موجه، إلى ثقافة مؤسساتية يومية وسلوك إداري ومجتمعي متجذر في الإدارة والجهات والمجالس الترابية.
أولا : تشخيص المعيقات الهيكلية، وأين تتعثر المأسسة؟
قبل بناء نموذج المأسسة الدائمة، يلزم تفكيك الجدران البنيوية التي تحول دون انتقال هذه المبادرات من قمة الهرم السياسي إلى القواعد الترابية والمؤسساتية والمتمثلة في :
1_هشاشة المشتل الحزبي وسلطة الأبوية السياسية، حيث تظل الأحزاب السياسية بكونها المزود الرئيسي بالسياسيين والمستشارين والوزراء، تعاني أغلبها من هيمنة النخب التقليدية وآليات التزكية الذاتية، حيث أن غياب المحاسبة الداخلية وضعف تكافؤ الفرص داخل الهياكل الحزبية يجعل ترفيع الشباب والنساء خاضعا للولاءات الفردية أو منطق المحاصصة والكوتا المقيدة، وليس نتيجة لمسار ديمقراطي حقيقي داخل التنظيم الحزبي.
2_مقاومة البيروقراطية الترابية على مستوى الإدارات والمجالس الجماعية والجهوية، وتحكم الثقافة الإدارية التقليدية في أساليب العمل، حيث تتسم هذه الثقافة بالتمسك بالأقدمية التاريخية والحذر من التجديد، مما يخلق بيئة طاردة للكفاءات الشبابية والنسائية الشابة التي تصطدم إما باستبعادها من لجان اتخاذ القرار الإستراتيجي، أو تحييد دورها في أدوار صورية أو اجتماعية ثانوية.
3_الفجوة الترابية وقطبية المركز وهامشية المجال، حيث تتجسد الدينامية السياسية للتشبيب وتمكين المرأة غالبا في الوزارات المركزية أو المجالس الحضرية الكبرى، بينما تعاني المناطق القروية والترابية البعيدة من ترسيخ الأعراف الذكورية واستمرار هيمنة القيادات والأعيان، مما يجعل المناصفة والتشبيب شعارات مركزية لا تجد لها أصداء وظيفية حقيقية، في تدبير الجماعات الترابية الصغرى بالمغرب، وحتى إن وجدت فتبقى شكلية ومن أجل التاثيت فقط.
ثانيا : ركائز التحول نحو المأسسة المستدامة، ذلكأن الانتقال بهذه الرهانات إلى ثقافة مؤسساتية راسخة يتطلب تجاوز الحلول الترقيعية نحو هندسة شمولية تقوم على أربعة أبعاد متكاملة وهي :
1_الانتقال من القوانين الزجرية إلى الحوافز المؤسساتية، وذلك عبر ربط الدعم العمومي بالحكامة الشاملة، من خلال تعديل قوانين الأحزاب والجمعيات والجماعات الترابية، بحيث يتحدد الدعم المالي واللوجستي الحكومي بناء على مؤشر الحكامة النوعية والتشبيب، أي مدى منح الميزانيات ونسب تنفيذها وفق مدى إدماج المرأة والشباب في اللجان الدائمة ومراكز المسؤولية العمومية او الترابية.
_تطوير قانون المناصب العليا، عبر مراجعة آليات التعيين في هذه المناصب والمسؤوليات الترابية لفرض مبدأ الشفافية المطلقة، وكذا تعميم لجان انتقاء محايدة تعتمد على برامج العمل وليس الولاءات، مع مساواة الفرص عبر معايير التنوع وإجبارية تضمين اللوائح النهائية النساء والشباب.
2_نقل الرهان من المركز إلى التراب الجماعات والجهات، وتفعيل هيئات المساواة وتكافؤ الفرص، عبر إخراجها بالجماعات الترابية من طابعها الاستشاري البارد، وجعل آرائها وتوصياتها إجبارية الدراسة ومدرجة في الميزانيات الملحقة بالخطط التنموية المحلية والجهوية.
_إرساء مدارس للقيادة الترابية المحلية، من خلال تأسيس مراكز تكوين ترابية لتأهيل المنتخبين والمنتخبات الشباب والنساء في تقنيات تدبير الميزانية، والتواصل العمومي، وتقييم السياسات العمومية والبرامج الترابية، لدمجهم في صناعة القرار عن جدارة معرفية وتقنية وقطع الطريق على تشكيك الخصوم في قدراتهم.
3_إصلاح المنظومة الإدارية وتعميم مقاربة النوع التنموية، من خلال مثلا : الميزانية المستجيبة للنوع والشباب، عبر تجذير آلية ميزانية النوع الاجتماعي في كافة الإدارات العمومية والقطاعات الإقليمية على المستوى الترابي، بحيث تعتمد كمقياس نجاح أي جماعة أو مؤسسة انطلاقا من حجم الميزانيات الموجهة لخدمة تمكين الشباب والمرأة المباشر وليس بالمبادرات العامة.
_مرونة الإدارة الرقمية، عبر تحويل الإدارة من ثقافة السلم الإداري المتصلب إلى شبكات عمل مرنة، تعتمد على الكفاءات الشابة وتتيح للشباب القيادة بناء على المهارات التقنية والابتكار الرقمي.
4_التغيير الثقافي والإعلامي والمجتمعي، وذلك عبر إعادة تشكيل الوعي العمومي، ذلك أن الثقافة المؤسساتية لا تنشأ في فراغ، بل تحتاج إلى بيئة مجتمعية حاضنة.
ومن هنا يبرز دور الإعلام العمومي والمؤسسات التربوية والجامعية في تفكيك الصور النمطية وتقويم الموروث الثقافي السلبي تجاه قيادة المرأة والشباب بدعم شبكات القيادات الشابة والنسائية، من خلال دعم تأسيس منصات للتأطير والتضامن المهني بين النساء والشباب في مراكز القرار لنقل التجارب والخبرات وحمايتهم من ضغوط البيئات البيروقراطية المقاومة.
_القضاء على المقاربة التقليدية المعتمدة على ارادات القيادات التقليدية، وجعل المقاربة المؤسساتية المستدامة هي الثقافة الراسخة، وذلك بتجاوز التعيينات الصورية لتجميل الأرقام واستيفاء الكوتا، واعتماد بذلك ترقية قائمة على الاستحقاق والكفاءة والتقييم المستمر للنتائج،
تركز القيادات النسائية والشبابية في المركز والمؤسسات الكبرى، عبر انتشار وظيفي متوازن يصل إلى الجماعات الترابية والإدارات القروية النائية والعميقة، مع جعل النظرة إلى المرأة والشباب كفئات مستهدفة بالحماية ، من خلال التعامل معهم كفاعلين استراتيجيين وقاطرة للنمو وتجديد القرار، لا حصر الملف في وزارات أو مجالس استشارية خاصة ، ولكن عبر إدماج أفقي وقانوني في كافة وزارات وإدارات وميزانيات الدولة بشكل حقيقي وفعلي.
خلاصة وتأثيت للنقاش العمومي.
إن تمكين الشباب والمرأة من الوصول السلس والفاعل إلى مراكز القرار العمومي لا ينبغي أن يظل رهينا بسخاء الإرادة السياسية أو الظرفيات الانتخابية، حيث أن المأسسة الحقيقية هي تحويل هذه القرارات من خطابات وسياسات فوقية إلى قواعد قانونية ومجتمعية، وحقوقية مكتسبة، وإدارية ملزمة للجميع، ومحمية بآليات الرقابة والمحاسبة والتقييم الداخلي والخارجي.
إن خلق هذا التحول العميق يستوجب شجاعة في مراجعة التشريعات، وجرأة في قطع شريان التمويل عن هياكل الحزبية والإدارية، والاستثمار في بناء قدرات الإنسان الترابي والمحلي، فبغير هذه الهندسة المتكاملة، سنظل نسجل نجاحات فردية مبهرة لكنها معزولة، دون أن نحدث القطيعة المأمولة نحو دولة الحكامة والمناصفة التامة.
