بأقصى جنوب الرحامنة يمر وادي تانسيفت وقد اجتمع له من الروافد عدد كبير أهمها من الشرق الى الغرب الأودية التالية :لاغ ,زات ,غدات وواد الحجر ,وقد كانت هده الأودية دائمة الجريان إلا أن سوء تدبير الموارد الطبيعية وتوالي سنوات الجفاف جعل منها أنهار موسمية ,وهي التي تشكل واد تانسيفت في منطقة الرحامنة الجنوبية ,وكانت وفرة المياه قد شجعت الفلاحين على شق عدة قنوات لري حقولهم إذ عمدوا إلى إنشاء عدة سواقي تقليدية على ضفتي الوادي ولعل أبرز هذه السواقي على الإطلاق ساقية اكريزيزة الممتدة على السفوح الجنوبية لسلسلة الجبيلات , حيث تمتد من تراب جماعة رأس عين الرحامنة شرقا الى وسط جماعة بوروس غربا , وكانت تسقي مساحات شاسعة من الحقول تصل حسب التقديرات الى 15 ألف هكتار وملايين الأشجار من زيتون ورمان ومشمش وكروم ,ويعود تاريخها إلى النصف الثاني من القرن 19 وأغلب الأراء تؤكد أنها تعود إلى عهد الحسن الأول الذي حكم المغرب بين 1873و1894م.أي عندما تخلى الرحامنة على أسلحتهم وأرادوا الإستقرار واستغلال مياه تانسيفت الوافرة ,وقد أبدع المهندسون الرحامنة غاية الإبداع في إخراج هده المعلمة إلى الوجود مستعملين في ذلك أدوات بدائية كالفأس والمعول ,,,ويوضح تصميمها الهندسي مدى الدقة التي أنجزت بها إذ لاتزال أطلالها بادية للعيان ومحيرة للألباب ,فعلى طول مسارها الذي يتجاوز 35 كلم تتموج وتتعرج على سفوح الجبيلات ,تارة تنحني مع السفح وتارة أخرى تصعد ثم تلتوي لتعبر الشعاب إلى أن تصل إلى سهل الرميلة الممتد على أغلب تراب جماعة بوروس .وعلى طولها استقرت مجموعة من الدواوير يسكنها الفلاحون الصغار فيما أنشأ الفلاحون الكبار ضيعات ممتدة الأطراف وإلى جانبها مدشر للعمال الفلاحيين يسمى العزيب .وكانت تسيطر على مياه الري بالساقية عائلات معدودة مثل : الحياينة وبن الزادي والتازي والكرزيزي والبيداني …فيما يكتفي الفلاحون الصغار بحصص محدودة من المياه .وكانت تقسم المياه الى 30 حصة كل حصة تسمى الفردية وكل فردية تضم 12 ساعة وهناك نصف الفردية ربع الفردية و”البعيوي” الدي يساوي 45 دقيقة. .يستحود الفلاحون الكبار على معظم الفرديات فيما يتقاسم الفلاحون الصغار باقي الحصص حسب مساحات أراضيهم وكانت توكل مهمة تقسيم المياه والسهر على سير نظام الساقية إلى شخص يسمى في العرف الفلاحي هناك “مازان”وكان كذلك يسهر على تنظيف الساقية من طرف الفلاحين ,حيث يستوجب على كل فلاح تنظيف حصته التي تسمى “القصبة”لآن “مازان”كان يقيس نصيب كل فلاح بقصبة . .وفي الجانب البيئي الإحيائي خلقت الساقية مجالها الخاص بها وكانت تضم عدة كائنات حية كالأسماك والسلاحف والضفادع المختلفة الألوان وكذا الحشرات المائية المختلفة .كما خلقت الساقية غطاء نباتيا مهما من الأشجار والنباتات مما وفر مناخا ملائما لعدد من الكائنات الحية المختلفة وكذا طرائد القنص .وقد أدت سنوات الجفاف المتلاحقة إلى إضعاف صبيب الساقية منذ بداية التسعينات من القرن الماضي ,وحاولت الدولة إصلاج مسار الساقية بتبليطه بالأسمنت لكن ضعف التخطيط وانعدام الدراسات الجادة حال دون ذلك الإصلاح , فقد كانت الساقية محتاجة إلى مصدر للمياه لا إلى البناء الإسمنتي كما يقول المثل الرحماني :”سمرروا البغلة وهي ميتة” .واليوم على الدولة أن تلتفت إلى هذه المعلمة التاريخية بالرحامنة الجنوبية لإعادة بعض من ماضيها المجيد .كما نلتمس من الجيهات المسئولة إدراجها كثراث عالمي للبشرية .فهي معلمة وطنية يجب أن تظل خالدة كما خلدت باقي المعالم الوطنية الراسخة في أذهاننا .وتختلف المصادر الشفهية في تسمية الساقية بهدا المسمى :”كريزيزة”ولعل أقرب الآراء الى الواقع أن التسمية أتت من ضخامة التحدي فالناس هناك يقولون لآبنائهم عندما تواجههم مهمات شاقة :”أكرز راسك”أي كن ندا لهدا التحدي الذي اخترته بمحض إرادتك .فالرحامنة هناك كانوا أهلا لهذا التحدي وانشأوا معلمة تاريخية تعبر عن تاريخهم المجيد الذي يأبى أن يدخل مزبلة التاريخ .ويقول بعض الفلاحين بالمنطقة كما نقلوا عن أباءهم و أجدادهم أن السلطان الحسن الآول بارك هدا الإنشاء العملاق وأصدر ظهيرا شريفا يخص الساقية .فما احوج الساقية اليوم إلى التفاتة من حفيده الملك محمد السادس أعزه الله .
انها عجيبة من عجائب المغرب.ومعلمة تارخية كبرى