قبل أيام قليلة بدأ المسؤولون عن القطاع الفلاحي في هذا البلد مزهوين بما حققه برنامج المغرب الأخضر .ومن غرابة الأمر أنهم تجاوزوا مشاكل الفلاحة المغربية داخليا وخارجيا ليقفوا عند مجرد جائزة تلقوها من منظمة “الفاو”لا تسمن ولا تغني من جوع .وأكيد أن المخطط الأخضر حقق عدة مكاسب منها الإقتصاد في الماء وزيادة المساحة المزروعة .إلا أنه لم يستطع معالجة المرض المزمن الذي يعانيه المغرب في مجال الأمن الغدائي وخاصة فيما يتعلق بالثلاثي المقدس :القمح-السكر والزيت .وهي المواد الرئيسية لتغذية فقراء المغرب بالإضافة إلى الشاي .كما أن الأسواق الخارجية ماتزال مقفلة في وجه منتوجات الفلاحة المغربية خاصة قطاع الخضر والفواكه كما أن مخطط المغرب الأخضر لازال يهمش بعض المناطق مثل الرحامنة الجنوبية حيث ماتزال الطرق التقليدية هي السائدة في مجال الزراعة وتربية المواشي فقطاع الفلاحة بالمنطقة مبني على سياسة “العام زين ” .
الفلاحة بالرحامنة الجنوبية قديمة قدم الإنسان بالمنطقة وهي في مجملها فلاحة عائلية تعتمد على اليد العاملة العائلية في شكل تضامني يقوم على توزيع العمل بين أفراد العائلة الواحدة بين رعاية الماشية والعمل في الحقول . وتعيش الفلاحة بالرحامنة الجنوبية على رحمة عوامل المناخ حيث يصنف مناخ المنطقة ضمن مستوى النطاقات المناخية الجافة والقاحلة .إذ لا تتعدى كميات الأمطار السنوية حاجز 250 ملم وهي غير منتظمة في الزمان والمكان .وهذه الكمية القليلة من الأمطار تستطيع إنتاج محصول فلاحي جيد أحيانا عندما ينتظم سقوطها بين بداية شهر نونبر ونهاية مارس من السنة الموالية كما يضمن هذا الإنتظام الكلأ للماشية و تسجل الإحصاءات أنه من بين كل عشر سنوات هناك سنتان فقط تحقق موسمين متوسطين .وتنقسم الفلاحة بالمنطقة إلى قسمين رئيسيين هما :الفلاحة البورية المعتمدة على تساقط ألأمطار وهي السائدة والفلاحة السقوية التي تعتمد تقنية الأبار وتتركز على ضفاف وادي تانسيفت وأهم منتجاتها الزيتون وحليب الأبقار والقمح وتعاني من ظاهرة جفاف الأبار خاصة بعد ظهور مقالع الرمال بوادي تانسيفت وانهيار النظام التقليدي للسقي الذي كان يعتمد تقنية السواقي التقليدية .كما يعرف هذا النوع من الفلاحة تراجعا ومنافسة من طرف دور الضيافة التي انتشرت كالفطر بالمنطقة وخاصة بجماعتي اولاد حسون والويدان التابعة لعمالة سيدي يوسف بن علي مما أحدث ضغطا إضافيا على الفرشة المائية بالمنطقة لإعتمادها على المياه كرفاهية في منطقة جافة .كما أن منطقة النخيل بمراكش التي تعج بقصور الأباطرة المهووسين بالجنان والمياه أحدثت ضغطا مهولا على الفرشة المائية بالمنطقة حتى أصبح أصحاب القصور في نزاعات مستمرة حول المياه الجوفية .يتم هذا في صمت رهيب للحهات المسؤولة وفي غياب أي دراسات ومعالجات للوضع .والخاسر الأكبر هم الفلاحون الفقراء المغلوبين على أمرهم بالرحامنة الجنوبية وما يجاورها من جماعات تابعة لمراكش .لذلك أصبح لزاما على الدولة أن تسارع الى تهيئة وادي تانسيفت وذلك بإنشاء سدود أو حواجز مائية لتعويض خصاص الفرشة المائية قبل الكارثة .وقد علمنا التاريخ كيف أسقط الجفاف حضارات كبيرة وعريقة.
وعموما الفلاحة بالرحامنة الجنوبية هي فلاحة عائلية تضامنية فقيرة ومتخلفة لا تساعد الفلاحين غلى الكسب وإعادة الإستثمار نظرا لغلاء كلفة الإنتاج وضيق الإستغلاليات الفلاحية وظاهرة الجفاف المزمن وهجرة الشباب لمعظم القرى بالمنطقة وغياب سياسة واضحة المعالم للدولة .