كثيرا ما يعيد التاريخ نفسه ولو بشكل غير دقيق إلا أن الإنسان يستطيع دون أن يدري أن يعيد التاريخ من جديد .فالعظماء يعيدون أمجاد التاريخ والوصوليون يعيدون مزبلة التاريخ من جديد وشتان بين أن تبعث مجد التاريخ أو أن تفتح جراحه المتعفنة من جديد .وتعتبر حقبة ملوك الطوائف بالأندلس في القرن الحادي عشر الميلادي من أهم الحقب التي عرف فيها التاريخ الإسلامي بصفة عامة وتاريخ الغرب الإسلامي بصفة خاصة انهيارا للقيم الحضارية التي بناها المسلمون الأولون من عرب و أمازيغ .حيث ظهر ملوك من نوع خاص كانو مستعدين لبيع أي شيء مقابل دوام نعمة الملك في أيديهم .تحالفوا مع الممالك المسيحية المتربصة بهم وتحالفوا مع الشيطان وكانوا مستعدين للتحالف مع أية قوة في الدنيا تحافظ على مواقعهم القيادية .ودمروا ازدهار الأندلس وتماسكها وجعلوها طوائف وشيع وأطلقوا على أنفسهم ألقابا فضفاضة بخلفية دينية اختاروها بعناية كما كانوا يختارون جواريهم وخدمهم .حتى أن الشاعر الكبير ابن أبي شرف نظم قصيدة شهيرة يقول فيها :
مما يؤسفني في أرض أندلس أسماء معتمد فيها ومعتضـــــــــد
أسماء ممالك في غير موضغها كالهر يحكي انتفاخا صورة الأسد
ظلت حالة الأندلس المتفككة على حالها حتى عبر أمير المسلمين وحامي الملة والدين يوسف ابن تاشفين ليعيد الأمور الى نصابها .فقهر المسيحيين في معركة الزلاقة سنة 1086 م وأدب ملوك الطوائف كما يجب ويكفي كدليل على ذلك قصة المعتمد بن عباد الذي أسره يوسف ابن تاشفين …ما يهمنا من هذا هو تبيان أوجه التشابه بين تلك الحقبة وما نعيشه حاليا في الرحامنة الجنوبية من وجود ملامح لأمارات في مغرب القرن الواحد والعشرين .أمارات تؤسس على حساب القرويين البسطاء الفقراء المغلوبين على أمرهم .يتزعمها وصوليون احتكروا العمل السياسي بالمنطقة منذ عقود ويحاولون توريثه لأبنائهم .وكونوا لذلك طوائف تؤمن بمذاهبهم مقابل يعض الفتات .وجعلوا من الجماعات الترابية إقطاعيات لهم يتصرفون فيها كما يشاؤون .حولوا كل برامج الدولة التنموية أدوات لحملاتهم الإنتخابية يساعدهم في ذلك مجتمع مدني فاسد يعيش على ما يخلفونه من قمامة وراء نهبهم للمال العام . وعائلات متواطئة خدومة لبرامجهم السياساوية الضيقة مقابل منصب مع الأشباح لأحد أبنائها .فالجماعات الترابية بالمنطقة تعج بالموظفين الأشباح الذين لا مستويات دراسية لهم فيما أبناء الرحامنة المتعلمين والمثقفين يبحثون عن مناصب شغل في أماكن أخرى بعيدين عن الأهل والأقارب أو يجرون عربات الخضر والفواكه في مراكش .فالمنطقة حبلى بملوك الطوائف :”أل الباكوري” برأس العين والطلوح و”بنو الساتر” بسيدي بوبكر و”أل العكرود” بالجبيلات وال القباج في بوروس.إنها فوضى عارمة تعيد المغرب مئات السنوات الى الوراء .وكان لنا أمل كبير –نحن أبناء الرحامنة –في حزب الجرار عندما قدم لنا برنامجه الإنتخابي لأول مرة في نهاية العقد الأخير وأبدينا تعاطفا كبيرا مع كوادره بل انخرطنا في دعمه في حملاته الإنتخابية على أمل أن يضرب ملوك الطوائف في الصميم ويزيل من تحتهم يساط السيطرة السياسية .لكن للأسف الشديد بدل أن يقبرهم الحزب قام ببعثهم من جديد أكثر قوة وإصرارا . ولم يفعل كما فعل يوسف ابن تاشفين عندما حل ضيفا على المعتمد بن عباد في قصره ،إذ امتنع أمير المسلمين عن الشرب من فناجين المعتمد الذهبية وامتنع معه كل المرابطين الذين حضروا معه ،لكن كوادر الجرار لم ترفض فناجين ملوك الطوائف بالرحامنة الجنوبية بل أمسكت بها بإحكام وشربت منها بتلذذ .الغائب الوحيد عن المشهد هو الشاعر بن أبي شرف فلو وجد بينا لقالها مرة أخرى.
مما يؤسفني في أرض الرحامنة أسماء بنو الستار وال الباكوري وال عكرود
أسماء مماليك في غير موضعها كالفأر يحكي انتفاخا صورة الأسد .