طرق بوشان.. حين تختلط حصيلة الجماعة بمشاريع الدولة والجهة ردا على ما جاء من تصريحات رئيس الجماعة
عرفت جماعة بوشان خلال السنوات الاخيرة عددا من المشاريع الطرقية المهمة، بعضها دخل حيز الانجاز وبعضها ما يزال في طور التنفيذ. غير أن تقديم هذه المشاريع ضمن خطاب “حصيلة الجماعة” يطرح سؤالا مشروعا حول الجهة التي بادرت بها ومولتها وأشرفت على تنفيذها فعليا.
رئيس جماعة بوشان إسماعيل الإدريسي تحدث، خلال إطلاق مشروع الطريق الرابطة بين الطريق الوطنية رقم 7 والطريق الجهوية رقم 206، عن المشروع باعتباره ثمرة تنسيق وجهود مشتركة، مثمنا تدخل عامل إقليم الرحامنة ورئيس جهة مراكش اسفي والوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع. وهي صيغة تبدو في ظاهرها دقيقة، لكن أرقام المشروع تكشف بوضوح أين توجد المسؤولية التنفيذية والمالية.
فالطريق الجديدة الرابطة بين RN7 وRR206، والتي تمر بعدد من دواوير بوشان، تمتد على نحو 10.5 كيلومترات، بكلفة تقديرية تبلغ حوالي 9.44 ملايين درهم، وتحمل الصفقة رقم 96/2025/AREP/MS. وصاحب المشروع ليس جماعة بوشان، بل الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع لجهة مراكش اسفي.
هذه ليست ملاحظة شكلية. هناك فرق بين أن تترافع الجماعة من أجل مشروع وأن تكون هي صاحبة المشروع وممولته. ومن حق المجلس أن يسجل ضمن حصيلته نجاحه في الترافع إذا كان قد لعب هذا الدور، لكن الطريق تبقى، من الناحية المؤسساتية، مشروعا جهويا وليست صفقة ممولة من ميزانية الجماعة.
الأمر نفسه ينطبق على الطريق الرابطة بين بوشان ولبريكيين. فهذا المشروع لا يعود إلى برنامج استثماري خاص بجماعة بوشان، بل أدرج رسميا ضمن برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية بالمجال القروي، وهو برنامج عمومي واسع يتم تنزيله بشراكة بين مستويات مختلفة من الدولة والجماعات الترابية، مع دور أساسي لجهة مراكش اسفي.
أما الطريق الرابطة بين الطريق الوطنية رقم 7 والمركز الصحي ببوشان، فقد مرت بدورها عبر صفقات تحمل بوضوح مرجع INDH. ففي سنة 2024 أطلقت الدراسة التقنية تحت رقم 14/2024/INDH، ثم دراسة التحيين والمساعدة وتتبع الاشغال تحت رقم 19/2024/INDH. وفي ماي 2025 أعطى عامل إقليم الرحامنة انطلاقة الاشغال بغلاف مالي بلغ 3.4 ملايين درهم، أي 340 مليون سنتيم، ضمن برنامج تدارك الخصاص في البنيات التحتية الاساسية.
غير أن الرقم وحده لا يكفي لصناعة طريق جيدة. فالطريق المارة عبر مجال الحي الإداري في اتجاه المركز الصحي تثير اليوم سؤالا مختلفا تماما: ماذا عن جودة الانجاز؟ فالمعاينة الميدانية للساكنة تكشف أن الورش، إلى حدود الساعة، لا يعطي صورة مشروع مكتمل تقنيا، خصوصا في ما يتعلق ببعض عناصر تصريف مياه الامطار، والبالوعات، وتهيئة الجوانب والتشطيبات المرتبطة بالطريق.
وهنا تحديدا يبدأ دور الجماعة، حتى وإن لم تكن هي صاحبة الصفقة.
ليس مقبولا أن تتحول عبارة “المشروع ليس من اختصاصنا” إلى مبرر للوقوف متفرجين على ورش يوجد داخل مركز الجماعة ويستعمله سكانها يوميا. فالمجلس الجماعي هو المؤسسة الاقرب إلى الساكنة، ومن واجبه السياسي والمؤسساتي أن يتابع جودة المشروع، ويرفع الملاحظات إلى صاحب المشروع، ويطالب باستكمال المكونات التقنية قبل التسلم النهائي، خصوصا وأن وثائق المشروع نفسها تتحدث عن الدراسة والمساعدة وتتبع أشغال التهيئة والتقوية.
بعبارة أبسط: قد لا تكون جماعة بوشان هي التي دفعت 340 مليون سنتيم، لكن ذلك لا يعفيها من مسؤولية الدفاع عن جودة ما أنجز بهذه الملايين داخل ترابها.
وتزداد المفارقة وضوحا عند النظر إلى الطريق الوطنية رقم 7، وهي الشريان الطرقي الاساسي الذي يربط بوشان في اتجاه سيدي بنور والجديدة من جهة، وفي اتجاه الرحامنة ومراكش من جهة أخرى.
واللافت أن أحدث تدخل مبرمج سنة 2026 على جزء من RN7 داخل إقليم الرحامنة لا يتعلق بإعادة بناء الطريق أو تقويتها بشكل شامل. فالصفقة RHA/11/2026 تشمل المقطع بين PK55+600 وPK86+005، لكن موضوعها التشوير الافقي والعمودي، ضمن صفقة تبلغ قيمتها الاجمالية حوالي 2.36 مليون درهم وتشمل طرقا أخرى أيضا.
بمعنى أبسط: طلاء الخطوط ووضع علامات التشوير لا يعني أن الطريق الوطنية رقم 7 أصلحت هيكليا.
وهنا تظهر قاعدة ينبغي تطبيقها دون انتقائية. إذا كان المجلس غير مسؤول عن وضعية RN7 لأنها طريق وطنية تقع تحت مسؤولية وزارة التجهيز، فلا يمكن في المقابل احتساب مشاريع الوزارة أو الجهة أو المبادرة الوطنية للتنمية البشرية كأنها مشاريع مولتها الجماعة.
لا أحد ينكر أن بوشان استفادت من استثمارات طرقية مهمة. ولا أحد ينكر أن رئيس الجماعة قد يكون مارس دورا في الترافع والتنسيق من أجلها. لكن الترافع شيء، والتمويل شيء آخر، وصاحب المشروع شيء ثالث.
والحصيلة التي تستحق أن تقدم للساكنة ليست عدد الصور الملتقطة في أوراش الطرق، بل أرقام واضحة:
كم أنفقت جماعة بوشان من ميزانيتها الخاصة على الطرق خلال الولاية الحالية؟ كم كيلومترا مولتها الجماعة فعليا؟ وما حجم مساهمتها في المشاريع الكبرى التي تقدم ضمن الحصيلة؟
أما مشروع بقيمة 9.44 ملايين درهم تشرف عليه الوكالة الجهوية، أو مشروع يدخل ضمن برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، أو طريق تنجز في إطار INDH، فمن حق المجلس أن يقول إنه ترافع من أجلها وساهم في إخراجها، لكن من غير الدقيق تقديمها للرأي العام دون بيان الجهات التي مولتها ونفذتها.
حين تسقط حجة صعوبة الترافع
هناك جانب سياسي يصعب تجاهله. ففي انتخابات مجالس جماعات الرحامنة لسنة 2021، حصل حزب الأصالة والمعاصرة على رئاسة 16 جماعة من أصل 25 بحسب الحصيلة المنشورة آنذاك، من بينها جماعة بوشان. كما يرأس سمير كودار، القيادي في الحزب نفسه، مجلس جهة مراكش اسفي خلال الولاية الحالية.
هذا الحضور السياسي الواسع لا يعني أن كل قرار استثماري في الاقليم أو الجهة يوجد بيد حزب واحد، فهناك الدولة والوزارات والعمالة ومؤسسات أخرى. لكنه يجعل حجة صعوبة الوصول إلى مراكز القرار أو ضعف قنوات الترافع أقل إقناعا.
فإذا كان الانسجام السياسي والحضور داخل المؤسسات المنتخبة يعدان مكسبا، فيجب أن يقاس هذا المكسب بما أحدثه في واقع بوشان، لا بمجرد عدد المشاريع المعلن عنها.
والسؤال هنا يتجاوز تعبيد طريق أو إصلاح مسلك. ماذا حدث فعليا لمركز بوشان نفسه؟ أين برنامج تأهيله كقطب قروي قادر على تقديم خدمات أفضل واستقطاب الاستثمار ورفع جودة المجال العمراني والخدماتي؟
الاشكال أن بعض التدخلات تبدو أحيانا مثل إضافة طبقات من التجميل إلى بنية لم تعالج اختلالاتها الاساسية بعد. طريق هنا، إنارة هناك، رصيف في مكان آخر، لكن ذلك لا يصنع وحده مركزا مؤهلا ولا تنمية ترابية متكاملة.
وتصبح المفارقة أكبر بالنظر إلى التحولات الاقتصادية التي يعرفها المجال المحيط ببوشان. ففي غشت 2025 جرى تقديم مشاريع صناعية كبرى بقيادة بوشان مرتبطة بالمكتب الشريف للفوسفاط، تشمل توسعة النشاط المنجمي، وإحداث منشآت لاستخراج وغسل الفوسفاط بمنطقة لوطا بطاقة أولية معلنة تصل إلى 9 ملايين طن سنويا، ووحدة للتجفيف بمزيندة بطاقة 7 ملايين طن سنويا، إلى جانب مشروع Mzinda Phosphate Hub بطاقة أولية تناهز 1.5 مليون طن سنويا من الحامض الفوسفوري. كما رافقت هذه المشاريع أوراش طرقية ومائية ولوجستيكية مهمة.
هذه أرقام ضخمة مقارنة بحجم مركز بوشان.
ومن هنا يصبح السؤال التنموي أكثر إلحاحا: إذا كان محيط بوشان يتحول إلى مجال لرهانات فوسفاطية وصناعية ولوجستيكية بهذا الحجم، فما نصيب مركز بوشان وساكنته من القيمة المضافة التي يصنعها هذا التحول؟
السؤال ليس مطالبة الجماعة بتمويل منجم أو مصنع، فهذا ليس اختصاصها. المطلوب هو رفع سقف الترافع: تجهيز المركز، تحسين شبكات الطرق والصرف، تأهيل الفضاءات العمومية، استقطاب الخدمات، دعم فرص الشغل والتكوين، وربط الدينامية الصناعية المحيطة بتحسين ملموس في شروط عيش الساكنة.
هنا تحديدا يصبح الحديث عن الحصيلة أكثر جدية.
فلا يكفي أن تمر مشاريع كبرى بالقرب من بوشان، ولا أن تحمل بعض الطرق اسمها في الصفقات، لكي يقال إن الجماعة انتقلت إلى مستوى تنموي جديد.
التنمية ل٨يست ما يمر عبر التراب، بل ما يبقى فيه.
وحين تمر بالقرب من بوشان استثمارات بملايين الدراهم ومشاريع صناعية بطاقات إنتاج تقاس بملايين الاطنان، فيما يظل النقاش داخل مركزها حول بالوعة لم تستكمل، وطريق لم تنجز اشغالها النهائية، ومحور وطني يحتاج إلى التأهيل، يصبح من حق الساكنة أن تسأل عن الفارق بين كثرة المشاريع حول بوشان والتنمية داخل بوشان.
وعندها يعود السؤال الاول أكثر قوة:
من أنجز؟ من مول؟ من راقب؟ ثم ماذا استفادت بوشان فعليا.
ط.م.بوشان
