لم يكن ممكنا بابن جرير زمن الجمر و الرصاص و ” التخنشيش ” أن ينبس المرء ببنت شفة واحدة أو يؤسس جمعية لأن شجاعة الفعل كانت جد مكلفة ، و لم يكن باستطاعة أحد أن يكتب و إن فعل فليستعد للحرب و طبولها و لا لأحد أن يقود الريادة في تغيير المجاري الراكدة و الذين شكلوا الاستثناء بابن جرير نفر و نزر يسير.
الجمعية الوحيدة التي أذكر أنها أقلعت ثقافيا بابن جرير هي جمعية الإقلاع الثقافي و مازال لها أثر في الوجدان الثقافي رغم طي الزمان للمسافات لأنها نقطة مضيئة و مُشعة في ليل ثقافي لم ينبلج إلى اليوم بالمفهوم الواسع للثقافة و إيغالها في الضمير الجمعي ، و الحزب الوحيد الذي نقش الساحة السياسية بطهرانيته و صفاء مرجعيته و للحربائية هامش صغير فيه هو اليسار الذي طبع الحياة بضراوته حتى الرمق الأخير ، و الصحافة التي أمتعت و تمنعت هي كل صحافة لم تهادن و لم تقبل مساومة أو خطا تحريريا صقيعيا صقيلا تحت الطلب ، و كل المناضلين الذين مروا من هنا لم نعد نرى لهم همسا و لا حسيسا إلا من نوافذ صغيرة.
و النبش و الحفر في الذاكرة بابن جرير تمرين ضروري للتأمل و قد يستوقفنا بعض التاريخ و منه زمن الأخطاء و شعاع في نفق مظلم ، من ابن جرير التي كان يعلوها الغبار و متربة صيفا و موحلة شتاء إلى ابن جرير التي انعتقت من ربقة القرية زمن الهمة و ابن جرير داحس و الغبراء و الفتوة و ابن جرير الدولية التي أصبح يعرفها الوزير و الغفير.
ابن جرير التي تحولت إلى طوائف مدنية و غمرتها الجمعيات و تناسلت و نبتت كالفطر و اليوم ابن جرير تنظم كأس العالم للمجتمع المدني و صحافتها مزدهرة و الحمد لله و تتعزز يوما بعد يوم و المواطن ينتظر متى تفتح الأحزاب حوانيتها لتبضع منتوجها البائر و ابن جرير كما كانت إراقة إلى يوم يبعثون…..