هندسة انتخابية وتدبير سياسي

0

يونس مسكين

أثار انتباهي في الفترة الأخيرة لجوء بعض المراقبين والمحللين إلى المنطق الغيبي لتفسير وقراءة التطورات السياسية التي عرفها المغرب مؤخرا، حتى أن البعض يكاد يسبح باسم “المخزن” والبعض الآخر يتحدث عن القدرات الخارقة واستحالة تفسير ما يجري بأدوات العلوم السياسية والقواعد والمبادئ الدستورية…

آ سبحان الله أ الفقيه إما أن ممارسة سياسية ما تنضبط للقواعد العامة لتطور الأنظمة السياسية، وبالتالي تفضي إلى استنتاج علمي لوجود فعل سياسي يميل إلى الديمقراطية والشفافية والمأسسة، أو الى الانغلاق والشمولية وهيمنة الاوليغارشية أو الأقلية…

نعيش حاليا مرحلة ردة شاملة وضرب مقصود وممنهج لأسس التطور الديمقراطي، وهو ما انطلق بدك الأحزاب السياسية وتفتيتتها (التفتيت وليس لفتيت)، وانتهى بهندسة انتخابية وتدبير سياسي فرض واقعا لم يعشه المغرب منذ الاستقلال وحتى في أحلك الحقب السياسية، لبسط سيطرة الصوت الواحد والكلمة الواحدة من الجماعات الترابية إلى الحكومة مرورا بالبرلمان.

ليست في الأمر أية قوة خارقة ولا هلامية، هناك تفاوض طويل جرى طيلة العقد الماضي، بين “الدولة العميقة” والمركب المصلحي الممثل لرأسمال خاص دافع باستماتة عن قلاعه من الريع والامتيازات والاحتكارات… ونجح في النهاية في بسط هيمنته بعد القضاء على كل مصادر المقاومة التي واجهته داخل كل من المجتمع والمؤسسات.

ما حصل في النهاية هو أن الدولة العميقة والمركب المصلحي اتفقا في النهاية، بعد اشتراكهما في اضعاف واقصاء كل القوى الحية في المجتمع. نحن أمام ما يشبه الصفقة: الدولة العميقة انتزعت التزامات موثقة ومرسمة، مثل مشروع التغطية الاجتماعية والقانون الإطار الجديد للضرائب وبعض الصناديق الاستثمارية… ضمانا منها للحد الأدنى الضروري لاستمرار الاستقرار والسلم الاجتماعي، وسلمت في المقابل الدولة بالكامل لهذا المركب الذي يصر على اقناع الدولة بقدرته على تحقيق الهدفين معا: حماية وتطوير مصالحه وفي الوقت نفسه خلق النمو اللازم لإطعام الشعب وإبقائه طيعا. نتمنى بالفعل لهذا المركب المصلحي أن ينجح في هذا الهدف، ويربح أكثر ويحقق النمو والشغل والتنمية…

لكن المشكلة في هكذا وضع هو إذا، لا قدر الله، فشل في هذا الهدف. الدولة حرمت نفسها من البدائل ومن القوى المجتمعية التي يمكن أن تحقق التوازن وتمثل التغيير، بيمينها ويسارها، سياسية كانت أو مدنية. المركبات المصلحية في العادة لا تتخلى عن مواقعها بسهولة ويسر، والله يلطف بالبلاد والعباد.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.