الجدية
سنحاول في كل تمرين للكتابة بمقاربة الدرس الفلسفي لأنه الأكثر روعة في ملاحظة النتائج وتحليلها ، و أظن أن الإنسان داك الذي يعتقد بكثير من اليقين أن الفلسفة لا تنتج إلا ما لا يتحقق موضوعيا فإنه واهم…
هذا العلم الواقف على قوائم كثيرة سيظل هو المهم في ما يخص” الانتاج البشري” للمعارف والمدارك على وجه التحديد ، دعونا نعبر إذن من الغموض الذي يشعر به البعض إتجاه الفلسفة مع صراحتها القاتلة ، ونقوم بالتالي ،اي استعارة لغة الفيلسوف “جيل دولوز” في مناسبة وهو يتكلم عن أدوار الفلسفة، فيما كان البعض يعتقد أنه آخر المتمكنين منها ، لكن جواب هذا الأخير كان كالتالي :
“ستظل الفلسفة قائمة مستمرة ،وسيظل وهجها ممكنا في إنتاج المفاهيم concepts، بينما سيبقى العلم وفيا لادواره في إنتاج الوظائف fonctions.
لنتوقف عند هذا الحد بخصوص مفهوم “الجدية ” الذي ظهر في خطاب العاهل المغربي صيف السنة المنصرمة ونحاول ربطه تجريبيا بسياقات العلم والمعرفة ، بالنظر طبعا لما اعقبه من أحداث وتغيرات يمكن تاويلها في أكثر من مجال للتحقق منها، فقد صارت الجدية مفهوما علينا استيعابه ،أو كما يسميه البنيويين… صارت للمفهوم”بنية ” تلك التي تولد لحظات كبرى متماسكة ومتصلة وبينها مشترك ، لأنه سيتعين علينا اعتبار “الجدية ” جاءت بدال المفهوم والوظيفة معا…دعونا نمر إلى سبب آخر من أسباب شرح ما يبدو أنه آت لا محالة إلى إنتاج التغيير والفعل بخصوص الحالة السياسية المغربية والتدبير المتعلق بالفعل العمومي كله. وعليه سنقوم في هذه الخطوات بالحديث عن “وظائف السياسي”، على أمل أننا في الأخير سنقوم باستنتاج عام تمليه إمكانيات امتداد المفاهيم أو “شراكتها “و تعايشها co – existence من أجل أداء تتطلبه مسارات تخريج هي نهائية تتعلق بالبرهان المادي الوضعي.
فكما هو معروف عند علماء النفس، فإن علم وظائف الاعضاء الحية يجمع (السيكولوجيون +الفيزيولوجيون) بمعنى.. لكي تظهر الوظائف تحتاج الىى عاملين أو مقومين ( أنظر كتاب التطور الخلاق لبرغسون ).
وعليه فإن في السياسة نفس الشيء او نفس الوظيفتين: مراقبة الحياة السياسية+ تحقيق نوع من الحراك الاجعتماعي ،ومعناه: انتشال مجتمع من الفقر لتحقيق غاياته والسعي نحو الرخاء للأمة “عموديا – صاعدا” ، وهذه الوظيفة هي مهمة الإنتخابات ،التي يتنافس من أجل الظفر بها( بشكل عليه أن يكون مشروعا )كل من يرى في نفسه مقومات التنافس( انظر كتاب النخبة السياسية والسلطة .حسن قرنفل) ، إلى هنا جيد.
في المقابل، سنسعرض معكم تفاصيل أخرى لفهم ما نتجه صوبه، و تبيان أدوار النخبة أو وظائف النخبة السياسية في علاقاتها بالسلطة منذ البداية ، وهنا كان علي أن أحفر (فوكو) To dig لفهم تاريخ الانتخابات، وعلم إجتماع الحقوق ، وعلم اجتماع الانحراف والسيكولوجية للتوزيع بين الظواهر المرضية ،اسبابها و عللها؟ وهل هي حتمية في مجتمع معين ؟ وكيف يتحول الفرد إلى “منحرف ” في مجال السياسة والمسؤولية كما يسميه الاجتماعيون: “انحراف النخبة white collar “، وكذلك حول تناول : من أين بدات التجربة كونيا بخصوص الإنتخابات ؟ وإلى أين انتهت في المغرب، المعني بهذا المقال؟
اطلعت في البدء حول هذا المتن وطنيا، ووفر لي كتاب الدكتور حسن قرنفل فرصة لفهم هذا التطور الانتخابي، ان كان تطوريا ( لامارك، سبنسر، داروين وهيجل), ومن خلاله ساتعرف على مسار الإنتخابات في ولاية اوهايو عام 1940، مع كتابات” لازارسفيلد”، تم” روبير دال”، في نصه المشهور : من يحكم
qui gouverne ?
وصولا إلى فهم أول تجربة للانتخابات بفرنسا عام 1913التي احتاجت إلى وقت طويل، باعتبار أنها كانت حقلا للتمييز والاقصاء على أساس ( النوع) ، كما هو الحال في المجتمع الأمريكي الحديث العهد انداك( الاربعينات) بحقل التنافس السياسي والوظائف السياسية !
عموما وصلت الى الآتي المتعلق بوظائف السياسي عمليا وعلميا، من خلال قراءة موسعة فيما يتعلق سواء بالانتخابات كشىرط لتحرير الإرادات وتكريس الفعل الديمقراطي في أي بلد يريد خلق الثروة بين مواطنيه، واجراء حراك اجتماعي يؤدي ( الفعل والقصد رايموند بدون ) وظيفته . وان ما توصلت إليه هو: كان دائما في أي انتخابات ثلاثة عناصر متحكمة في السلوك الانتخابي كما يشرحها الأستاذ العميد حسن قرنفل وهي :
+الوضعية الاجتماعية.
+التقليد المحلي .
+الظرفية السياسية.
وان هذه السلوكات المتحكمة بالفعل الانتخابي تحتاج إلى أشكال للتصويت لفهم مقاصدها، والتي يوردها الباحث بكونها لا تتعدى :
*تصويت المصلحة.
*تصويت انصياعي.
*الرغبة مع عدم القدرة على الاختيار .
هذه السلوكات وهذه الأشكال تهم مجتمعات ( أمريكية ،فرنسية)، إلا أن وظيفة العلم فيما بعد هي الاستنتاج و إمكان التعميم، فيما تطرح شروط الانتخابات كما يورده الأستاذ حسن وهي كالتالي :
-الحرية .
-المنافسة.
-رهان الانتخابات بمعنى “النتائج المترتبة عنها”.
بقي التذكير إلى الحديث عن أشكال التصويت ؟ بحسب الباحث فإنها تنقسم إلى قسمين :
✓النصويت المباع le vote vendu
✓التصويت الجماعي القطيعي le vote grégaire
في كل هذا الذي أورده من العام (ماكرو) الى الخاص (ميكرو) يشير الباحث إلى صعوبة الإمساك بمقاربة ممكنة لسوسيولوجيا الإنتخابات مع كل الجهود المبذولة منذ منتصف القرن العشرين لاعتبارات كثيرة ، إنما على الارجح فإن جزءا من “نسق “منظم وبنية تحافظ على إعادة تنظيم نفسها كل حين هو الصواب ، ولأن الجهود في هذا الباب لا تزال جنينية، أي دراسة الانتخابات وعلاقتها بمفهوم السلطة، فإن التجربة التونسية في هذا الباب من خلال باحثين بارزين (فضيلة امراني،رافع عاشو)استطاعت فهم تاريخ الانتخابات بالمنطقة العربية من خلال الانتخابات التشريعية التونسية لنونبر عام 1997.
قبل أن نغلق هذا المتن التعريفي للانتخابات ادوارها ،شروطها،اشكال التصويت ،دعونا نشبد الفرضية التالية : وهي أن الانتخابات لها وظيفتين باسباب نزول مجتمعة كلها تخدم :
_1 التشريع
-2 مراقبة مالية الدولة
طبعا كل هذا يقع عبر ممثلي الشعب بالبرلمان ومجلس المستشارين من خلال الأسئلة الكتابية و الشفوية .
لنختم بالقول هنا، إلى أن الانتخابات تعمل على مراقبة الحياة السياسية، وتطوير المجتمع الذي وجدت فيه وانتجتها شروط حراكه الداخلية والخارجية .
تم ثم ، بعدما عرفنا كل هذا، ما الذي يعنيه إلينا الربط بين مفاهيم : الجدية، ووظائف السياسة والنخبة من خلال الإنتخابات في المشهد السياسي؟
ذلك أنه بعد فترة من خطاب العاهل المغربي نتابع حركة غير عادية في اتجاه يحسم معارك ترتبط كلها بجوهر السياسة ووظائف السياسة ،من خلال تفعيل المؤسسات الوطنية التي تهتم بقضايا تتعلق بملفات الفساد الناتج عن تدبير وظيفة سياسية سواء تعلق الأمر:
بجماعة ترابية ،حضرية ،قروية.
وظيفة برلمانية .
مجالس إقليمية.
مستشار غادر قبل فترة.
مرورا إلى الاخلال بالمهمات التي تتعلق “بالشان العام “وسوء تدبير مؤسسات عمومية، بشكل لافت صار المجتمع المغربي وهو يراقب مشدودا إلى اعتبار ما يحصل ( لحظة للتطهير )، فرصة لردم مسار بكل لحظاته وبناء مسيرة تعيد القطار للسير فوق قضبانه على النحو الذي يطمئن كل الركاب، بالتالي فإن ( علم وظائف الأعضاء ) بين الفيزيولوجيا والسبكولوجيا منضبط كما يشرح ذلك “برغسون “وهو يشيد مفهوم الأخلاق ( المنغلقة والمنفتحة ) بتعبيره، وكذلك اشارته لعلم الأديان الذي بنظره يتميز ( بالساكن والدينامي )، و ما يريد برغسون قوله في كل هذا هو أن الانسان و هنا كان يقارع” المذهب الروحي في الفلسفة والمذهب النقدي والعلمي العملي” ،ليؤكد أن مفهوما جديدا آخر يمكن تشييده على انقاد كل ما سبق، وهذا هو التراكم الذي ينبني على الرؤية vision عند ( توماس خان) في العلوم لتغيير جوهر وجود الإنسان في علاقته بماهبته أو بالغيرية autrui.
“أي انزال الفلسفة من السؤال والتأمل إلى الفعل والتغيير من خلال ادعاء صريح وهو ان الوظائف كما في فهم الذات هي بين الإرادة الحرة وقليل أو نزر يسير من الحتمية “لياتي مفهوم ” الاندفاع الحيوي ” كرؤية متبصرة عند برغسون متجددة قادرة على إعطاء مفهوم الوظائف روحا جديدة وهي النظام والانسجام ( عقل_روح) ،كما هو الشأن في مفهوم “الجدية ” الذي أعلنه العاهل المغربي ليكون روحا جديدا لمجتمع مغربي يدركه جيدا، و بشكل كبير ،الى كون المغاربة يستحقون العيش بكرامة ، وان وظائف السياسي، والسياسي المتخب بالتحديد، تحتاج إلى إعادة تشكيل بنيتها من جديد ، لتشتغل وفق وضع متقدم للمغرب ولرهانات المغرب على المستويات كلها ، وان المفهوم أو الجدية باتت” خطابا نسقا “سيظل قابلا إلى إنشاء أبعاد أخرى لتجلياته، كعهد الفلسفة والعلم بضرورة تبات انتاجهما للوظائف والمفاهيم ، سرعان ما يسعى المنطق الى استعارة ادوات بحثية لتحليل الخطاب الوارد عليه من: العلم والفلسفة والسياسة والإعلام والاقتصاد والانثروبولوجيا وعلم النفس وعلم الاجتماع والتشريع ، بما يعني أن كل العلوم تتداخل وتستخدم سلطة بعضها بعضا لمهمة يتكفل بها جزء من المختصين لإعادة شرح الوظائف جيدا، حال انتهاء تمرين المفاهيم ، فهمها ، تأويلها ، استنباط واستنتاج المعقول منها
في العلم حيث لا توجد العواطف كما هو معروف، ولا يتقدم الإنسان بالشجن فيما يتعلق بالمهام الصعبة .
ومن أجل مصلحة ( الوظيفة و المفهوم ) العلم والانسانية فإن شىرح الوقائع بالعواطف في مجال محدد لا يخدم بنظر برغسون التطور الخلاق مضمون كتابه ، ولا يخدم في مقام آخر المغاربة مع وظائف كما بينها حسن قرنفل تصبح فيها علاقات ( الزبونية clientélisme) رأس جبل الجليد الذي يظهر من ( المرئي وللامرئي ) كما عند (ميرلوبونتي) ،كذلك فإن حاجة المغاربة إلى وظائف للفعل السياسي والنخبة هي حاجة من أجل بعث جيد يعيد تعريف المفاهيم و الوظائف من جديد، و بهدم ما سبق بدون الحاجة إلى دراسة سيكولوجية النخبة، لأنه لا يسعها المجال باعتبارها” اشكالات” . بل اعترافا parrisia كما عند” فوكو” حيث يحل العلم محل العواطف ومحل الإصلاح أو التقييم أو العفو الذي لا يدخل في نطاق ما جئت به من باب التجريد، الذي تلاحظ فيه الظواهر ،وتفهم، ويتحكم بها على نحو من الجدية والفعالية والاستقامة والحياد المنهجي. وكلها مفاهيم ووظائف عصر التطور الخلاق.
صبري يوسف كاتب رأي وباحث في سوسيولوجيا التنمية.
