المقهى المغربي: من فُسحة الهامش إلى مسرح استعراض الذات

0

العتوبي عبدالإله، باحث في سوسيولوجيا الهشاشة والحياة اليومية.

 

عندما تجلس في المقهى، لا تكتفي بارتشاف قهوتك فقط، بل ترتشف في الآن ذاته جزءا لا يتجزء من الواقع المغربي، عاريا من كل الأقنعة. المقهى ليس مجرد مكان، بل حالة. هو مختبر يومي تتكاثف فيه تناقضات الحياة اليومية المعاصرة، خاصة في صفوف من يعيشون الهشاشة بكل تفاصيلها: الاقتصادية، النفسية، والوجودية.

 

المقهى كما نعرفه اليوم، لم يكن دائما كما كان في زمن مضى فضاء يهرب إليه الناس من ضيق البيت أو الفراغ القاتل، يفرون إليه من الشارع ليجدوا فيه بعض الأنس، أو مكانا لمجرد “تمضية الوقت وقتله”، هذا “القتل” لم يكن عشوائيا، بل فعلا اجتماعيا بامتياز. داخل المقهى، تدار أحاديث السياسة والكرة، تصاغ الشكاوى، وتفبرك الأحلام، وترمم الذات، ولو لحظيا.

 

هنالك شيئا ما تغير، المقهى لم يعد ذلك الفضاء الشعبي البسيط، لقد تغير كما تغير المجتمع، وتحول تدريجيا من مكان للتفاعل إلى منصة للاستعراض. استعراض الذات، الموضة، الهواتف، العلاقات… وحتى الأجساد.

 

فحين نتأمل تطور المقهى خلال العقود الأخيرة، نلحظ سلسلة من التحولات العميقة. بدءا من مقاهي الإنترنت في أوائل الألفية الثالثة، حيث دخل “الهامش” المغربي في علاقة جديدة مع العالم الرقمي. ثم جاءت ثورة الهواتف الذكية، التي حولت المقهى إلى مكان غارق في الصمت: أجساد متلاصقة، لكن أرواحها معلقة في “الستوريات”، في الفيديوهات القصيرة، وفي محادثات بلا نهاية.

 

ولأن الرأسمالية لا تترك شيئا دون تسليع، أصبح المقهى أيضا مجالا تجاريا بامتياز. نشهد اليوم مقاهي تعتمد على “الديكور الأنثوي” كمحفز لاستقطاب الزبائن: نادلات بلباس جذاب، يستعرضن مفاتنهن أحيانا ليس فقط في إطار العمل، بل ضمن استراتيجية “تسويق الجسد” كعنصر من عناصر الجذب. هل هو خيار؟ أم ضرورة اجتماعية واقتصادية؟ في النهاية، إنها الهشاشة من جديد، تتجلى بأوجه مختلفة.

 

ولأننا في زمن الصورة، أصبح لكل شخص “دور” داخل المقهى، هناك من يلعب دور المثقف، من يحاول أن يبدو ثريا، من يستعرض علاقاته، من “يتفرج في الناس” بصمت، ومن “يفرج نفسه على الناس” عله يُرى. إنها لعبة “إدارة الانطباع”، كما قال غوفمان، لكنها تجري هنا في المقهى، لا في خشبة مسرح.

 

المقهى تحول إلى مساحة للتفاوض الرمزي: من نكون؟ كيف نُظهر أنفسنا؟ ماذا نملك؟ من نحب أن نكون؟ لكنه أيضا مساحة للفراغ، للانتظار، للهروب من واقع لا يطاق. في هذا التناقض يكمن سر المقهى المغربي اليوم: بين البحث عن الذات والتصالح مع هشاشتها.

 

فهل يمكن للمقهى أن يكون أكثر من مجرد مسرح استعراض؟ هل يمكنه أن يتحول إلى فضاء عمومي حقيقي، للحوار، للإبداع، للانخراط؟ أم أننا محكومون بأن يبقى مجرد قاعة انتظار كبرى، حيث يجلس المغاربة في صمت، يتأملون فوضى الزمن وهم يحتسون مرارة الحياة في فناجين صغيرة؟

 

ربما آن الأوان لنعيد التفكير في معنى المقهى، لا فقط كمكان، بل كرمز، كمرآة، كعلامة من علامات الزمن المغربي الراهن.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.