في حضرة التفاهة: “المؤثرون” الجدد وصناعة اللامعنى

0

منير لكماني 26/05/25 ألمانيا

 

في المغرب، كما في كثير من دول العالم، لم تعد الشهرة تُقاس بما تقدّمه من فكر أو فن أو قيمة، بل بما تُحدثه من “بلبلة”، وما تخلقه من ضجة على “السوشل ميديا”.

صرنا نعيش في زمن غريب، أصبح فيه الطريق إلى الشهرة لا يمرّ عبر الاجتهاد أو التميز، بل عبر جرعة زائدة من التفاهة المقصودة، والكلام الفارغ، والمواقف المُفتعلة.

 

لم يعد مستغربًا أن نرى من يشتم والدَيه على الهواء ليحصد مشاهدات، أو من تصرخ وتبكي أمام الكاميرا على قصة مفبركة لتجلب التعاطف. ولا غرابة أن نجد “يوتيوبر” يقدّم للناس 20 دقيقة من الصراخ والنفاق، ثم يصف نفسه بـ”المؤثر”، وكأن التأثير أصبح لا يحتاج إلا “ستوري” و”ترند”.

 

من الاعتراف إلى الابتذال

 

الإنسان بطبعه يحتاج أن يُرى، أن يُعترف به. لكن حين يتحوّل هذا الاحتياج إلى هوس، يصبح خطرًا على النفس والمجتمع. وهذا بالضبط ما نراه اليوم: جيل كامل يربط قيمته بعدد المتابعين، ويقيس احترامه لذاته من خلال الإعجابات والتعليقات.

 

في هذا الجو، تُصبح الشهرة هدفًا في حد ذاتها، لا وسيلة. وحين يُصبح “البوز” هو المعيار الوحيد للنجاح، يُفسد الذوق، وتُحتقر القيمة، ويُصفَّق للأخس لا للأصلح.

 

“التمغربيت” في زمن التفاهة

 

في عمق الثقافة المغربية، كانت الشخصية تُبنى على “النية”، و”الحشمة”، و”الرجولة” و”المعقول”. لم يكن المغربي يسعى لأن يُعرف بأي ثمن، بل كان يفضل “الخبز الحافي بعزّة نفس” على الشهرة المبتذلة.

أما اليوم، فقد تم قلب الموازين. صار بعض الشباب يسعون للتعرية بدل الستر، وللصوت العالي بدل الحجة، وللمواجهة بدل الفكر.

 

في ظل هذا الوضع، تصبح التفاهة أداة تسلق اجتماعي، لا عارًا يُستحى منه.

 

متى أصبح الصراخ “محتوى”؟

 

لو نظرنا إلى أغلب ما يُقدَّم على منصات التواصل، سنجد أن المحتوى المربك، المثير، المليء بالمشاحنات والمبالغات، هو ما يحصد الأرقام.

 

لكن السؤال الحقيقي هو: هل الأرقام تعني الجودة؟

هل عدد المشاهدات دليل على أن ما يُقدَّم يستحق؟ أم أننا فقط نُشاهد كما نُشاهد حوادث السير: نُدير رؤوسنا لا حبًا، بل فضولًا ممزوجًا بالألم؟

 

الإنسان ليس إعلانًا

 

في زحمة الصور والفيديوهات، ننسى أن الإنسان ليس منتجًا تسويقيًا، وأن القيمة لا تأتي من العرض، بل من العمق.

 

ما نعيشه اليوم من سباق على البروز، والتسابق على التفاهة، سببه الخوف من أن نُنسى، من أن نظل في الظل، من أن لا نُرى.

 

لكن الحقيقة أن الظل ليس هزيمة، وأن الضوء لا يُعطي قيمة حقيقية إلا إذا كان نابعًا من الداخل.

 

رسالة هادئة للشباب المغربي

 

ليست الشهرة هدفًا في ذاتها، ولا البوز مقياسًا للنجاح.

من أراد التأثير الحقيقي، فليصنع قيمة، لا جدلًا.

من أراد أن يُذكر، فليترك أثرًا في العقول والقلوب، لا في موجة ترند زائلة.

 

ومن أراد أن يُحترم، فليكن وفيًّا لأصله، لروحه، لـ”تمغربيت” التي لم تُربِّ أبناءها على الصراخ، بل على الكلمة الطيبة، والخدمة النظيفة، والطموح النبيل.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.