اربع سنوات على رحيله. حتى لا ننسى… خالد الجامعي أيقونة الصحافة السياسية في المغرب.

0

يخطئ من يظن أن الكبار يرحلون فعلا. فالأشخاص من طينة خالد الجامعي لا يموتون، لأن أثرهم باق، وكلماتهم لا تزال تتردد في ضمير المهنة. إنهم أشبه ببوصلة أخلاقية ومهنية، تظل تشير إلى المعنى الحقيقي للصحافة، رغم تبدل الأزمنة وتغير السياقات. فحين يستحضر اسم خالد الجامعي، لا يُستحضر فقط من باب الوفاء لذكرى رجل، بل من باب الحاجة الملحة إلى استلهام سيرته من قِبل الجيل الحالي من الإعلاميين، في زمن باتت فيه الكلمة تقاس بموازين السوق، لا بميزان الضمير. خالد الجامعي هو أحد هؤلاء الذين يجب أن يبقوا أحياء في وجدان الصحافة المغربية، لأنه كان صوتا حقيقيا في زمن الضجيج، وضميرا يقظا في زمن الالتباس.

رحم الله الصديق العزيز والأستاذ الفذ خالد الجامعي، الذي بجستحق أن نطلق عليه عن جدارة “قديس الصحافيين”، ذاك الذي ارتبط اسمه بجرأة الكلمة وصدق الموقف، وصاحب المقولة الشهيرة “مول المظل…”.

لقد جمعتني بالراحل الكبير علاقة صداقة متميزة، ابتدأت ذات يوم من أواخر تسعينيات القرن الماضي، عندما قادتني مهنة المتاعب إلى مكتبه بجريدة “لوبينيون”، حيث أجريت معه حوارا صحفيا لا يُنسى. منذ اللحظة الأولى، أسرني ذلك الخطاب القوي الذي كان يصدح به، المتحرر من أي إكراه حزبي أو تحفظ سياسي، رغم انتمائه آنذاك إلى اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال. لم يكن مجرد صحفي حزبي، بل كان مثقفا حرا، يكتب بقلبه قبل قلمه، ويتحدث بجرأة لا مثيل لها.

توطدت صداقتنا بعد ذلك، وكنا نلتقي باستمرار في الرباط والدار البيضاء، وتطورت العلاقة لتأخذ طابعا إنسانيا أعمق، حين شرفني بزيارة بيتي، وتعرف على أسرتي التي انبهرت بعفويته وسحره الإنساني، وتواضعه الجم. لم يكن خالد الجامعي من أولئك الذين يرتدون أقنعة، بل كان كما هو: صادق، بسيط، وأليف.

تعددت اللقاءات وامتدت مجالات التعاون، خاصة بعد التحاقه بجريدتي “المستقل” و”لانديباندنت”، حيث انضم إلى طاقم كتاب الرأي، وبدأ يكتب مقالات أسبوعية تناولت قضايا سياسية شائكة، كان يخوض فيها بقلمه كما لو كان يخوض معركة من أجل الحقيقة. وقد سعدت بالعمل إلى جانبه رفقة ثلة من أساتذتي الأجلاء على رأسهم الدكتور عبد اللطيف أكنوش عميد علم السياسة بالجامعة المغربية الذي كانت تجمعه بخالد الجامعي علاقة صداقة متينة.

خالد الجامعي كان مدرسة قائمة بذاتها، مبدئيا في اختياراته الفكرية والسياسية، متحررا من كل رقابة داخلية أو خارجية. عرف بخطابه الصريح، وتحليلاته الدقيقة لتضاريس النظام السياسي المغربي.

كان يعرف جيدا عمق الحياة السياسية وان أين تقع ألغام “المخزن”، ويدرك مرونة الفاعلين السياسيين وحيلهم، لكنه لم يكن يخشى الاصطدام، بل يجيد خوض المعارك الفكرية والإعلامية بشجاعة ولباقة، دون أن يرفع صوته أو يستخدم الشتائم. كان يمرر رسائله بذكاء ساخر، فيجمع بين الجرأة والمرونة، وبين الحدة والحكمة.

أما على المستوى الإنساني، فقد كان الجامعي إنسانا بكل ما تحمله الكلمة من معنى: خلوقا، ودودا، متواضعا، وصادقا في علاقاته. كان يفرض احترامه أينما حل، لا بسلطته المعرفية، بل بأخلاقه العالية ونبل مواقفه.

بالنسبة لي، وكما هو الشأن بالنسبة لعدد من أبناء جيلي من الصحفيين، شكل خالد الجامعي نموذجا للصحافي المناضل، والمثقف العضوي الذي يحمل هموم مجتمعه ويعبّر عنها دون مواربة.

لقد دفع ثمن مواقفه غاليا، إذ اعتقل وعذب خلال سنوات الجمر والرصاص في سبعينيات القرن الماضي، كما حكى ذلك بنفسه في كتابه “متهم حتى تثبت إدانته”. ولم تسلم كتاباته من مضايقات وزارة الداخلية آنذاك، خاصة ددحين اصطدم مع وزيرها القوي، وبلغت المواجهة أوجها بعد الرسالة الشهيرة “شكون أنت؟”، وهي الرسالة التي قال فيها كلاما قويا ودخل من خلالها إلى التاريخ من بابه الواسع”:

” أعترف أننا، كمواطنين وصحفيين، نتحمل قدرا كبيراً من المسؤولية في هذا الوضع. ذلك لأننا قبلنا قواعد لا يفرضها علينا أي قانون، ولأننا حنيْنا ظهورنا، ونسينا أن لدينا عمود فقري وظيفته الأساسية هي الوقوف بشكل مستقيم ورفع الرأس، وصرنا نجهل أن بلدنا يتوفر على مجموعة من القوانين التي تدافع عنه. هذا الجهل أريد له أن يكون، وتم تشجيعه من طرف المستفيدين منه”.

 

وأضاف الجامعي في رسالته الشهيرة، متحديا الوزير القوي في عهد حكم الراحل الحسن الثاني:

 

“إن التنازلات الصغيرة تتحول في مع مرور الوقت إلى تنازلات كبرى، كما أن الخوف والمخاوف الصغيرة تتحول مع مرور الوقت إلى خنوع واستسلام. إن ما يتغذى عليه الشطط في استخدام السلطة هو خوفنا وخنوعنا اليومي”.

 

رحيل خالد الجامعي خسارة فادحة للصحافة الوطنية وللفكر الحر في المغرب. لقد ترك وراءه تراثا نضاليا كبيراً، وسيرة ناصعة، تشهد بها شهادات الخصوم قبل الأصدقاء. وقد عبر عن هذا التقدير السامي ملك البلاد نفسه، جلالة الملك محمد السادس، الذي وجه برقية تعزية إلى أسرته قال فيها: “صحافي مقتدر، ومناضل ومثقف ملتزم، مشهود له بالنزاهة الأخلاقية، والثبات على المبادئ، والصدق والموضوعية والمهنية العالية، سواء في كتاباته الصحفية، أو في مواقفه السياسية.”

لقد أثبتت التحولات العميقة التي عرفها المشهد الإعلامي الوطني، خاصة في ظل تراجع الصحافة الورقية وتنامي الفضاء الرقمي، أن قامات صحفية من طينة خالد الجامعي لا تعوض. لقد كان صوتا حرا ومثقفا نقديا لا يساوم، ترك بصمة قوية في مسار الصحافة المغربية الحديثة، وظل وفيا لقيم الالتزام والاستقلالية رغم كل التحولات.

رحم الله السي خالد، فقد رحل الجسد وبقي الأثر.

 

د مصطفى عنترة، كاتب صحفي.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.