“الدوارة”… دوار في زمن المفارقات
في خضم تقلبات المشهد المعيشي والاجتماعي بالمغرب، تطفو على السطح مفارقات صارخة تعكس حجم التحوّلات التي طرأت على سلوكنا الجماعي، لا سيما مع اقتراب عيد الأضحى، الذي كان إلى عهد قريب مناسبة دينية واجتماعية تمرّ في أجواء عائلية بسيطة ومليئة بالسكينة. اليوم، ومع ارتفاع كلفة المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، وتقلص العرض في سوق الماشية، باتت الأضحية رفاهية موسمية لا يقدر عليها إلا المحظوظون.
وإذا كانت العوامل الطبيعية وتداعيات الجفاف قد ألقت بظلالها الثقيلة على قطاع تربية الماشية، فإن القرار الملكي الحكيم، الذي يدعو هذا العام إلى الحد من الذبح، جاء كخطوة واقعية لتجنيب البلاد تداعيات كارثية تهدد القطيع الوطني بالانقراض. غير أن ما يثير الاستغراب هو أن جزءاً من المواطنين، عوض التجاوب الواعي مع هذه المعطيات، انخرطوا في موجة من الاستهلاك الهستيري، بلغ حد التهافت غير العقلاني على شراء “الدوارة” ومشتقات الأضاحي، ما أدى إلى ارتفاع صاروخي في الأسعار.
وبدل أن يتحول هذا الظرف إلى لحظة للتأمل في أولوياتنا المجتمعية، صرنا نعيش حالة من الازدواجية الغريبة: نشتكي من الغلاء ونسهم في صناعته، نُحذّر من الجشع ونمارسه، نُدين ثقافة المظاهر وننغمس فيها حتى النخاع.
المفارقة الأدهى أن بعض المواطنين باتوا، عن وعي أو دون وعي، يكرسون منطق الفوضى الاقتصادية، حيث يُصبح العرض والطلب ساحة مفتوحة للابتزاز المالي، وتنقلب فيه الطقوس إلى مجرد واجهات اجتماعية، يُراد منها حفظ ماء الوجه، لا أداء شعيرة دينية بتواضع ومسؤولية.
إننا نعيش زمناً تبدو فيه “الدوارة” أغلى من القيم، و”المظاهر” أسبق من الحاجة، والتمرد على التوجيهات أقرب من الالتزام بواجب المواطنة الصادقة. زمن صار فيه المواطن يندفع نحو الهاوية الاقتصادية بنفسه، ثم يصرخ: من دفعني؟
فهل نحتاج حقاً إلى “عيد من دون ذبيحة” لنفهم أن الكرامة لا تباع في الأسواق، وأن التدبير لا يقلّ قداسة عن الطقوس؟
