اللحم المقدس!
حضرت صلاة الجمعة الاخيرة لما قبل عيد الاضحى لهذا العام، واستمعت كالعادة لخطبة الامام ووعضه وارشاده، كان ما يصدر عنه ينسجم مع خطاب ديني يؤدي ادورا يحتاجها المجتمع في حياته الدنيوية والاخروية، لتنظيم علاقات الناس وتدبير ما يتعلق بما يملكون وما لا يملكونه (الغيب والقدر), كان الامام كالعادة يتمتع بكثير من الشرح والجراة في ايصال النصيحة وتحميل هذا الانسان ما توجبه الشرائع السماوية اكثر مما يحيل عليه القانون الوضعي في حالات لا يمتد اليها” كالنوايا وفحوى الذنوب ومناقب الصدقات والزكوات وقيمة المشاعر التي يحتجزها القلب و تخضعهاالجوارح للامتحان”
.
كانت سياقا لغويا مليئا بالرموز حول عيد الاضحى والحج وحول معاني اعادة ” توزيع الخيرات بين الناس”… بان يعطي غني فقيرا، وصحيح لضعيف، وقوي لمعدم، غادرت وغادر من حولي على اساس ان الخطاب الديني ومضامينه واضحة، وان الله قد فرض هذا الدين من اجل غايات سامية لا ننتبه اليها ولا نفهم دواعيها الا بالامتثال، كانت كل هذه” الطوباوية” بالداخل، فيما كان الخارج، اي خطاب ” الازقة والمتاجر والاسواق” نقيضا تماما لتلك الروح والفيض الديني الداعي الى الحكمة والعقل والرفق والتضامن والتازر والتاخي وكل المصطلحات التي حفرت في جوف هذه الامة منذ اكثر من الف سنة، فماذا يا ترى يدفع اليوم باتجاه مكشوف لبروز “التناقضات” على مستويات تتعلق : باللغة ،المعرفة، الاختيارات،الرغبات،المعتقدات،القيم،المواقف،التمثلات، الاراء، و القناعات؟ كيف يمكن اجراء بحث في هذه القضية لفهم واقعنا على ضوء المعطيات المتوفرة ومواجهتها بما سنضعه لفهم هذا المغرب المتعدد و” المزدوج الخطاب” بشكل رهيب اليوم على مستويات كبيرة من جمهوره ( مناسبة عيد الاضحى نموذجا).
سنتجه صوب فهم حالات يمكن ان تكون ( مرضية) وهنا بالاساس سنتناول قضية مركزية لا ندري منشاها بين ما يعتقده جمهور كبير وما يفعله، او سنسميه: معضلة ” التناقض بين القناعات و الافعال”، هذا الانفلات صار لا يخشى حتى مكون الثقافة الاسلامية التي لها حدودا صارمة يعي من نصوصها اي مغربي ما تحض عليه وما تحمل بخصوصه، نحن اذن اليوم امام واقع محير بالنسبة لنا على اعتبار ما سنسوقه …
اولا لننطلق من الأولوية primauté التالية : وهو ان علم الاجتماع فقط الوحيد من بامكانه فهم “السيرورات الاجتماعية” تفسيرها والدفع باتجاه كشف الاسباب او الاجابة على اكثر الاشكالات احراجا باي مجتمع مهما كان ذا طباع اقتصادية سياسية “سليمة” او لاي حال انتهت به العصور، فيما ياتي انظرونا نطرح بعضا من الفرضيات لفهم الواقع الذي تابعناه جميعا بالملاحظة المباشرة او الذكية (للباحث) او البرانية لكل عابر سبيل الى بيته وعياله قبيل عيد الاضحى ومفادها :
1ـ هل ما بات يظهر بالمجتمع المغربي يعود الى واقع اجتماعي لا ينفصل على طبيعة النظام السياسي لمجتمع ينتمي بكل تاكيد الى مجتمعات شمال افريقيا والشرق الاوسط… “المجتمعات الانقسامية”، التي لا يمكن دراستها خارج هذا الاطار النظري باعتبارها (مجتمعات تغلب فيها السمات والمعايير والثقافة والسلوك المؤدي الى نفس الاسباب التي شرحها بالتفصيل مجموعة الباحثين الفرنسيين او حتى الامريكيين )،(جون وتر بوري) وبالتالي فلا يمكن لهذا المغرب ان يكون بمعزل عن علاقات قوة وعلاقات مجتمع ينسحب عليه متن اصاب اكثر مما اخطا في كون الانتقال من الجماعة الى الفرد ومن “التضامن الالي الى العضوي” وما ينتج عنه لا يزال يحكم ارثا سياسيا تهيأت له فقط هذه القواسم المشتركة دون غيرها.
2ـ اذا كان تعريف النظام السياسي (كاي ديبورا) باعتباره : نسق للسلطة التي من خلاله تمارس تلك السلطة ادوارها وتفرض بالواقع او بشكل لا واعي مجموعة افكارها، معتقدها، مواقفها، قيمها، معاييرها تلك التي يتقاسمها افرادها فيما بينهم، وان كل هذا النظام بالضرورة سيختلف عن غيره من باقي اشكال النظم السياسية(اوليغارشية، رئاسية، ديكتاتورية، فردية، ديمقراطية، الخ..) وهي نفس نظرة افلاطون في (الجمهورية)، فان الناس تاخذ بما هو كائن دون زيادة او نقص، ونفس الرؤية فسر بها “بيير بورديو” (اعادة الانتاج )la reproduction التي ماهي الا اشكال من اعادة انتاج يحكمها (هابيتوس) حيث تكمن تلك الاختلافات والتوزيعات التي تدير ذاتها بما توفر لديها من ميكانيزمات، وهنا نحن منسجمين مع واقع له علله وادوات توزيع السلطة فيه ومعالم مساره .
3-يفسر مثلا كل من (جون بودريار، وبيرنار ستيلغر، وميشيل كلوسكارد، الرايت ميلز ،كارل يونغ، كيركيكارد)، المجتمعات التي تبنت خيارات تقود الى” الراسمالية” …حيث يشرح مثلا(ميشيل كلوسكارد)في ثلاثيته حول “الرسمالية”، كون ” الفرد هو ما ياكله l’homme est ce qu’il mange. هذا الاتجاه يدفع الى اليقين الى كون الراسمالية غيبت الفرد نحو الهوية الجماعية المجهولة l’anonymat collective، باعتبار قيم الاستهلاك الجديدة التي عبرت الحدود والارواح والوعي والوجدان، هذا التيار يؤكد : ان الفرد لم يعد محسوبا l’individu ne compte pas، و بالنظر الى هذا الواقع تحولت البشرية في الزمن المعاصر الى شكل من القطيع او على الاقل بعقلية القطيع montalite de troupeau براي هؤلاء…فصار الانسان مجرد رقم(chiffre, numero, mutation)، شكل بالنهاية مع غيره مجتمع الكثرة socite de masse فصار العموم او الجمهور le public مجرد شبح كيان غير شخصي une entité impersonnelle، وبالتالي صار المجتمع متشابها تحكمه علاقات استهلاكية لكل ما يجري حوله، وصار الجمهور le public ظاهرة اجتماعية فرضت نفسها على الباحثين لفهم ماذا يحصل؟
4ـ فرضية أخيرة وهي ان المجتمعات المعاصرة قد يكون ما جرى لها من” المحاكاة والتقليد” simulation et simulacre (جون بودريار) وهوس الثورة الرقمية التي كانت موضوعا للبحث منذ امد بعيد، على اعتبار ان التحولات طرات اولا بالذين عاشوا ظروفا غير ظروفنا 🙁 الصراع الطبقي، الثورة الصناعية، التنوير والنهضة)، هذه الاحداث غيرت من واقع الفرد الاوروبي وجاءت الراسمالية بحريتها وبناءها النظري ليصبح الفرد” كونيا “cosmopolite وهنا والان صار نظيره يعيش نفس التشابه الذي سيتجلى اليوم في كثافة استهلاك المحتويات الرقمية والمواد الاخبارية على المنصات، وكذاك تحول الفرد الى عامل منزلي un travailleur a domicile بنمط ومعيار واحد تجلى عالميا فحمل تلك النبضات الى كل الدنيا، او كما يسميه (كارل يونغ) الرغبة اللاواعية في اتجاه واحد le desir inconscient dans un sens unique
بعدا افتراضنا كل هذا الذي طرحناه من اجل فهم ماجرى قبيل نهاية يوم الجمعة وخطاب واضح ومعاني صريحة للشرع والنص الدينيين، تمثلت بالاساس بامتلاك المواطن المغربي لفهم مجريات ماحوله، و منها ان شعيرة عيد الاضحى سيحياها المسلم بدون لحم، بمبرر ان المغرب عانى سنوات جفاف طويلة، وان القطيع صار قليلا، وانها فرصة من اجل العام المقبل كي تستعيد المواشي عافيتها، فكان خطاب الملك متوافقا مع الواقع، وكان فهما لما يجب فعله، وترشيدا واستدامة حتى لا يكون القادم اسوا. لكن كل ذلك تبخر بين ليلة وضحاها …فماذا جرى بعدما طرحنا كل ما يفترض ان يكون مسارا للاحداث بهذا البلد، ولحظة قلبت المواقف وجلبت معها اسئلة طارئة من قبيل :
+ ماذا غير جزءا من المغاربة ما بين العام 1996 حينما اعلن العاهل الراحل الحسن الثاني للمغاربة عدم دبحهم وانسحب الامر على الجميع بدون الحاجة الى جهد كبير من السلطة حينها، لان الامر يتعدى الجماعة نحو الفرد وليس العكس، اي الاقرار والفهم والوعي بمضمون الخطابle contenu et le contenant ( دوركايم. غاستون باشلار)؟
+هل الظروف التاريخية .الاقتصادية. الثقافية. وطبيعة فهم الخطاب الديني مهما تمتع بالوسطية والاعتدال والمعقولية لقت الواقع المغربي صار مطليا “بالاحكام المسبقة والتناقضات ” العلنية والتاوية؟
+ هل تغولت النزعات الاستهلاكية الجديدة( الوجاهة الاجتماعية،المواقع، الوضعيات، تاثير ادوات التواصل الجماهرية) عند المغاربة وبالتالي لم تترك حدودا للانسجام مع معطيات الوضع الراهن “ومكانة السلطة الرمزية والمادية” بين الناس كاسمى موجه فظهر خطاب جزء من الشارع كفعل ليصبح منافسا او نديا “مضادا” في مواجهة خطاب السلطة حول شرعية الطقس الديني وقيمته عند الافراد بالرغم من حالة الضرورة القصوى في المنع .
+هل نتحدث عن انفعالات “كامنة” رافقت اغلاق كورونا ولا يزال بعض الناس يعانون اثارها الجانبية في غياب دراسات علمية، سريرية، اجتماعية وسلوكية و معرفية حول هذا الباب ؟
+هل ما جرى يندرج ضمن واقع تربوي تعليمي هش، لم يربط عند المواطن بين معنى التنمية والاستدامة، والوعي والضرورات والمحضورات، وان ماجرى يبعث على القلق بخصوص الاجيال القادمة التي عليها ان تجد شيئا من ارث الماضي؟
+هل ما حدث ،حصل فقط بالمراكز القروية والمدن الصغيرة، وان الامر لم يصل لدرجة القلق لانه لم يمس المدن و المراكز الكبرى وانما الاطراف فقط ؟ لا نعلم عن ذلك قياسا.
+ هل ما جرى يعيد فينا اشكال المجتمعات التي صارت بخلاف اطروحتي (ماكس فيبر ودوركايم ) حول” دور الدين والتضامن في حياة المجتمعات ووظيفة الاول”، باعتبار ما جرى بعيدا عن هذه النظريات جميعا، حتى عن الطرح الماركسي نفسه واطروحته في مخالفة (هيجل ) عن فكرة الوعي بين (جدل مثالي) يبدا من الفكر ، وجدل تاريخي مادي يبدا من المجتمع؟
+هل يمكن الحديث عن بداية تغيرات طالت علاقات “القوة والسلطة” من خلال جماعات ضغط صغيرة بكل زاوية عجلت بتجاوز سريع للاجبار والمنع “وتعالي الاوامر” وغيره. مما يكتسبه عادة خطاب مباشر متعال هو خطاب الدولة” الامرة “ومواطن عليه تنفيذ تلك الاوامر بالحرف بدون” خطاب راجع” او مضاد.
فما حصل يحيل على بروز تاويلات اخرى لمعنى المقدس ومعنى الاضحية بخلاف ما كان من قيمتها في كتابات عبد الله حمودي(الضحية واقنعتها، بحث في الذبيحة والمىخرة بالمغارب) وكتاب حسن رشيق حول (سيدي شمهروش:سلطان الاخرين )، واعتقد اننا كنا امام واقعة تبين ان جو الطقس عند الذين تسابقوا على محلات الجزارين، والذين نشروا وفصلوا تفصيلا في اثمنة الكبد والذين تباكوا بكل ركن جزارة قبيل العيد… وكل المحتويات المؤيدة او المبينة لتلك” العينات” التي تسمح بتفسير ممكن و حدسي intuition scientifique، للقول ان كل ما جئت على ذكره من نظريات سواء تلك التي تناولت المغرب زمن” السوسيولوجيا الكولونيالية” باعتبار الانقسام مفسر للحالة المغربية… لانه يحيل على الطابع التضامني، او ما يمكن اعتباره نماذج للصراع (ماركس)، او ما هو وظيفي (اميل دوركايم) او مفهوم الفعل الاجتماعي و الشرعية والسلطة وعلاقة القيم الدينية بالراسمالية (ماكس فيبر) او ما افترضته من تاثير “وسائل التواصل وثقافة الاستهلاك المعاصرة”عند كل الرواد (كارل يونغ، بودريار، ستيلغر، ميشيل كلوسكارد، ) قد يكون غير كاف لفهم ما جرى، كما ان ما تعلق بفرضية طبيعة النظام السياسي واشكال النظام (افلاطون، كاي ديبورا) غير كافية ولا يمكنها وحدها ان تجعلنا نفهم.
لكن من المرجح وهو القريب الى فهم ممكن لذلك فان كتاب ” مجتمع العرض “societe de spectacle (لكاي ديبورا ) يدعونا الى اعتبار ان من نتائج كل ما جرى منذ بداية التفكير العلمي (ارسطو -باكون) الى حين ظهور مفهوم الراسمالية باعتبارها نظاما للسوق وحسب، يمتلك مجموعة متكاملة من” الادوات المباشرة والخفية” التي يظهر جزء منها في الاقتصادl’economie marchande فيما الباقي من تاثيرها يمس السلوك. وعندما نقول ذلك فنحن بكل تاكيد على مرمى تاثيرات تضرب بمحتويات الانسان الاخلاقية المعيارية: كاللغة والمعتقد والاختيار والثقافة والرغبات والمواقف وكل ما لم تتخيله، فتفسير (كاي ديبورا) يمنح ثبات مقولاته على اساس ان السياسة اوسيادة السياسي la souveraineté du politique ماضية الى نهاية السياسي mort de la politique امام قوة وسلطة اقتصاد السوق .
هذا التفسير قد يجد له ركيزة اجتماعيةla substrat social (اميل دوركايم ) ومعناها :اننا لم نتضامن قبيل العيد ولا بعده بما يكفي كما تابعنا، لم نتاثر بالصور ولا بالفيديوهات كما ينبغي، لم نكن واعين ليسبق وعينا وجودنا او العكس ولم تكن استجابتنا لفضيلة التحلي بروح المواطن امام احكام السلطة واخيتاراتها الصالحة لكل زمان ومكان كما يجب كذلك، وهنا نحن ابعد من تفسير (فوكو) نفسه حول تداخل “السلطة والمعرفة” باعتبارهما” منتجان”، بل صار هناك خطاب “ثالث” يستمد قوته ليس من الدعاية وعدوى الانفعلات وكل ما جاء على هذه الورقة، بل من واقع اشبه بمرحلة جديدة في تاريخ البشرية تحركها الرسمالية سواء كنت دائنا لها بشيء او مدين لها بقليل من الشي، فانها لا محال ستدخل عليك بيتك وقريتك وحمامك وسجنك ونومك العميق الى حلو الاحلام و فزع الكوابيس.
* هل اقتنى اولئك الذين اكلوا كبد الكبش ولحم الضان والبقر والماعز من اجل روح النص المقدس او اقتصدوا اعتبارا لفقه النوازل او الحاجة الوطنية او خطاب السلطة …اجزم انه ضغطا حصل و لا يفهم المخالفون والذين صبروا على الاوامر سواء معنى لضخامته؟ بل كان بفعل “عدوى سائلة”(زيغموند باومان) تتجه نحو العتمة وجعل الفرد بالخارج l’homme du dehors ( كارل يونغ) في مجتمعات تشرف على …
صبري يوسف. كاتب راي .باحث في علم الاجتماع السياسي و التنموي
