الذاكرة الموشومة بالثوابت والرموز

0

يعيش المغربي حياته مع واجب حذره الكبير اتجاه قيمة وأهمية الثوابت والرموز، بل يمكنه في احيان كثيرة ان يقع في “لبس “حول تداعيه اتجاه طقس او منع نفسه من ذلك التداعي…هذا اذا امتلك الحيلة لمنعها من السقوط المدوي حالما يعبر الحدود الممتدة مع التاريخ المليئة بالممنوعات والمحرمات والغير مقبول تعديها، الانسان يولد باي مكان شاءت له الاقدار ان يصبح جزءا من تفاعلاته، انما عليه اولا ان يتعلم بنفسه من خلال الجماعة ان هناك ما يجب الالتزام به اتجاه الثقافة الموروثة الضاربة في “سرة” تلك الامة حتى لو كانت جماعة بشرية “عابرة للحدود” او تتمتع بقيم “الرحل” فان لها نظام ثوابت قار لا يتطور الا باستحالة بالغة .

 

هذه الرموز “القسرية “coercitive (دوركايم) منذ نشأة ” الاجتماع” تقيد الكل،للإشارة لسنا وحدنا من نعيش الإكراه، بل تكاد كل الامم من الناس تعيش نفس الوضع الا قليلا حينما تستطيع دول وشعوب دفعة واحدة التوافق على اخراج طقس وجعل مكانه اخر او الاستغناء عليه بالمرة…ولا يكون ذلك سهلا لانه تاريخي متجدر وله مع الناس علاقة اخذ وعطاء “نفسية عاطفية” اكثر منها نشاط عقلي Activites d’esprit (باشلار).

 

دعونا نعود بكم الى ما تتبعناه ايام عيد الاضحى على وسائل التواصل الاجتماعي التي صارت لها قيمتها في مجتمع” الكثافة الإفتراضية العامة ” حينما شوهد بالصورة مسؤول خارج من اداء صلاة العيد ليفاجا بدبيحة امامه كما اظهرت الفيديوهات ذلك، فكان مجرد وقوفه ومعاينته واهتمامه بطقس “روحاني تعبدي عقائدي” سببا ليجد نفسه في اليوم الموالي خارج حسابات الدولة المغربية كما تابعنا جميعا ذلك من خلال المواقع و القصاصات الاخبارية .

 

من هنا ستبدا محاولتنا فهم ماجرى على ضوء قراءتنا للابعاد الرمزية وعلاقتها ب”الثابت والمتحول ” ليس في “كتابات ادونيس”، انما في واقعنا المغربي الذي نعرفه، وعلى ضوء الحوادث نجسد جميعا الشخصية المغربية التي تنشا “مغمورة” سرعان ما يصبح الفرد فيها ملزما وملتزما بشكل لا يدعو للنسيان او التهاون بعدم السقوط الغير المسموح به اتجاه الرمز والطقس والثابت. اكان بسوء تقدير او بحسن نية. اما ما يحصل في حياتنا بسوء نية امام ثقل الرموز والثوابت فان مصير الفرد فيه اولا ان تعزله الجماعة (العائلة، الحي، الدوار، البلدة، القبيلة،…الدولة ) ثم يعاقبه بعد ذلك القانون او يتم التغاضي عنه، وتكون النتيجة نفيا خالصا عاما شموليا مؤذيا …وهنا لا يجد الفرد المعزول المحاط بتلك المساحة من الفراغ حوله الا ان يموت وحيدا او” يكيف” قبول نفسه وسط جماعة لا تنسى ما حصله له، وانما خشية “الايلام والتهميش والوصم ” الشديد ، يحصل بين الفريقين شكل من التطبيع الغير المعلن عنه (المضمر)، الذي تتبناه العائلة باعتبارها” الحامية ” لافرادها من العزلة الدائمة، وكذلك تفعل الاسرة والاقارب والاصدقاء بالتتابع… من اجل بناء جديد للعلاقة التي يعاد فيها الفرد الى” القطيع” وتتصالح معه كل” المواقع الحيوية” في الجماعة من جديد من خلال نفس الرموز والثوابت وضرورة اجلالها التام والعام المجبر…( اميل دوركايم ،ماكس فيبر في الانتحار وروح البروتستانتية)

 

وعلى ضوء ما يحصل في واقعة جماعة او فرد من سوء حظه ان يجد نفسه امام “ماكينة اعلامية “او حكم نهائي يطحنه لسبب انه نسي ولم يتمالك نفسه امام قيمة ووزن ما تجسده تلك الرموز في لحظة خاطفة تتوقع منه سلوكا منسجما وهنا الصعوبة والاستحالة…وبسبب عدم المقدرة يتعرض الكثيرون الى العقاب لانه سوء حظهم ذاك اليوم او تلك البرهة من الزمن، فقط ثقل الطقس و”التمثل”المشبع بصريا منذ الطفولة حول معنى ( العار، الدبيحة، الصلح، الاب، شيخ القبيلة، علام الخيل، الضريح، فقيه المسجد،خدام زاوية…) ومجموعة مركبة من الاشكال التي توحي للمتلقي بالقيمة الجوهرية المنسوبة لجماعة، فرد، حجر، شجر، مكان، جغرافيا…..الخ، لذلك سنكون معرضين لارتكاب الخطا مهما حرصنا ولو اتجاه رمزية في مكان بعيد خال من البصيرة المطلوبة .

 

ومن البديهي وقوع ذلك، و من اجل هذا شرع البشر القوانين والجزاءات لتفي بالغرض وتتحول وتتغير وتعدل وتهمل négligeabilite(نيوتن) وترفض و ويترك العمل بها او تستعيد قوتها بناءا على الظروف والتغييرات وتحولات الانظمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولاسباب واقعية واسباب طارئة فتكون ملزمة، وتبعا لذلك “نستدخل” هذه القواعد و”التشييدات الذهنية ” من حالات “لاواعية ” الى خارج الافراد كانضباط “مطلق “، مع ارغامنا على الوثوق بها ك (تقاليد وعادات) مرعية ومكرهة وقسرية ابتدائيا من كنف مؤسسة الاسرة نحو الدولة (لولوڤيتان هوبز) والعكس بالعكس، في تناغم تام يفرض علينا الاستجابة والفهم، وامعان النظر في اشكال السلطة واحكام القانون وقيمة كل شيء حتى لا نتعرض لردع يكافيء الخروج عن (الاعراف والتقاليد والقواعد) …لكن نحن دائما معرضون مهما حاولنا الى ان نخطيء، وان نعاقب، فنفهم ونواكب، ومن ثم تصبح حواسنا يقظة على عدم تكرار ما جرى بصرف النظر عن حجم الانتباه المطلوب منا توخيه كل يوم وكل ساعة وهو مكلف، وهنا نعود الى العظيم اميل دوركايم حول “خصائص الظاهرة الاجتماعية”.

 

لنوسع اطار النقاش اذن، ونقول ليس الفرد وحده المعرض للخطا، فحتى” السلطة ” بالمعنى الكلي للمفهوم l’etat total فانها تخطيء، لاعتبارها حامية تلك الرموز والتقاليد والقواعد الاخلاقية وغيره فيحضر هنا معنيان “الفرد والسلطة (برتراند راسل) وطبعا في متن الفلسفة السياسية وتحليلات فوكو النظرية حول معنى القوة The Power الذي يتناسب وما سبق الاشارة اليه مع اختصاص ” العنف المشروع” باطار الدولة الحامية للقيم، التي توزع او تفهم معنى ـ الحق ومعنى الخرق ـ لكن حتى هي احيانا كثيرة تخطيء لكنها ليست كالفرد (ماكس فيبر) بل تملك اليات اعادة صياغة طقس او رمز او معنى لتجسيد قيم جديدة تصبح مرعية، معنى ذلك اننا جميعا بين التصويب والاستنارة هذا اذا كانت المجتمعات (دينامية ) لا يحصل اعتراف confessional (كلمات واشياء) مكشوف من ممثلي الدولة علنيا بخطاءهم، بل غالبا ما بكون مضمرا فيتحول واقعيا الى المصالحة مع ما جرى او بعث جديد لرموز ومعاني جديدة ، بموجب ما سبق السلطة تعيد انتاج نفسها في الفرد (جمهورية افلاطون) من خلال قيم ومعاني الفعل ، وتتاقلم ادواتها مع واقع يحتاج منها الى امتلاك مستلزمات عصر وبداية عهد اقل ضررا باستخدام القهر اذا كان الامر مثلا يتعلق بنظام مستبد، فيطلب منه جماعيا اعادة تنظيم نفسه والقطع مع الماضي، فتتشكل قواعد جديدة من (القيم، والقوانين، والسلوك، والتقاليد والاعراف)

 

لذلك نسمي النظم السياسية مثلا : ديكتاتورية،بطريركية

قمعية،تسلطية،ديمقراطية،ليبرالية،فوضوية، دستورية، برلمانية، اوليغارشية، ملكية، متنورة، متشددة، سائلة، مرنة، وان الثبات ليس حالة دائمة بل فورية لكون الظروف تتغير ، فقد يجوز ان يكون نظاما في عهد ما ديكتاتوريا فيتحولى الى ديمقراطي والعكس بالعكس والدولة التي تحل محل النظام الفاني مثلا تسعى دائما الى عدم تكرار ما جرى واجراء اصلاحات دستورية قانونية، رمزية فتتحول الثوابت من وادي الى وادي اخر. وتنتج الجماعة قواعد ومعايير للسلوك وتقاليد ورموز وخطوط حمر وثوابت جديدة ( مقدمة ابن خلدون)

 

في كل الكتابات التي تناولت على سبيل المثال التاريخ العربي او دراسات مقارنة واخرى نقدية للحالة العربية الاسلامية ، انتهت اغلبها الى توكيد ثقل “التراث”بما هو تلك المجموعة من الافكار والثوابت والقيم والتقاليد واللغة الموجهة لشعوب كافحت منذ الوهلة الاولى على ان تؤسس في جغرافيتها “الدولة وفعل الدولة “، انما بالرجوع الى كل الذين تناولوا هذا الارث الكبير من البنيات التي تحكمنا، بقوا محاصربن بمقولات فلسفية (تأملية، نظرية، عملية) متعارضة ، جزء منها واثق من قيمة المحافظة وتيار واسع يريد الاصلاح… انقسمنا ساعتها الى غاية اليوم بين : محافظين واصلاحيين و لا يسع المجال الى سرد كل الاطر النظرية المنهجية طبعا التي تدعي الحل لحالة تبحث عن التوافق بدل ان يعيش الفرد العربي محاطا بهالة ” الرمز ” التي تتجاوزه باعتبار اصلها ديني محظ، وهنا تكمن المعضلة في رغبة التغيير من جانب هذه الفئة العريضة من النخبة:يسار، علماء اجتماع ،فلاسفة، مثقفين كتاب شعراء مهتمين وناشطين حقوقيبن وتنظيمات مدنية نسائية.

 

لقد كانت العهود الاولى لغاية اليوم في القلب العربي تحاول اصوات اعتقد اليوم صارت لها مساحة اكبر من التعبير على تغيير جدر مفهوم الامة ليصير مجتمعات علمانية منفتحة لا تستجيب الا الى العقل وحده الحاكم بين الناس، فيما جهاز مفاهمي ضخم في الضفة الاخرى يسعى الى تأبيد للوضع السائد منذ الوهلة الأولى للظاهرة الدينية في المشرق العربي… وعاش الفريقان (اشتراكية، شيوعية، ماركسية لينينية ،ماوية، تروتسكي ، ليبرالية، وطنية، لا دولتية، علمانية، يسار جديد ثقافي ونماذج توفيقية بين ما هو لاهوتي ووضعي) نفس سؤال الحيرة المركزي الذي فرض نفسه على الجميع لغاية اليوم ومفاده : هل امكانية النهضة بالثرات وحده بدون عقل ممكنة؟ ثم لماذا تقدم غيرنا وتخلفنا نحن؟

 

وبين حالة السؤال الى امكانيات البحث له عن اجابات شافية، اعتقد انكم قراتم كثير بين من دعى الى التخلص من التراث ومن دعى الى التوفيق وهكذا …في كل هذا الامتداد الذي لا يزال يراوح مكانه بين محافظ ومجدد او اصلاحي، تجد الشعوب والافراد من خلف كل هذا مؤتمنين على الاتباع وعلى اعتبار قيمة الرموز والثوابت هي حياة المجتمعات والتفريط فيها “تحلل “من مجموعة نسقية تؤدي الى ” Fin des societes نهاية المجتمعات، “وان اي محاولة مهما كانت بريئة ستتحمل الجماعة والفرد عواقب الاخلال بعدم اتباعها، وتبعا لذلك فان ما حصل من عدم انتباه المسؤولين الترابيين يدخل ضمن الخطا باعتبار الامر يجب ان لا يمس الجوهر، والجوهر في الامة هو ” دينها” حتى عن غير قصد ولا رغبة في المخالفة، فقط لان الصواب هو ديمومة الرموز التي يعيش على وجودها المجتمع الذي نشات فيه منسجما وعظيما وامنا، وان الخروج عن الطريق هو( انحرف )يوجب العقاب الذي يمكن ان يكون نسبيا او عظيما لانه يمس الجوهر والثوابت وحياة الاخرين؟ اي الغير المعلنين عن ذواتهم وفق مفهوم “الحق العام”، ترجمة عمومية لسيادة الامة اتجاه قواعد اساسية في التعاقد التي يعاد اشتقاقها من النص المقدس الى واجهة المجتمع الساهر على صيانتها هو نفسه من داخل” الذات الجماعية” كجسد واحد ،حتى لو تحضر وتمدن ذلك المجتمع فانه يتولى من خلال ماكينة الاعلام( الان تورين، La societe de communication et ses acteurs) الزام الجميع بالخط المستقيم للتوجيهات باعتبارها” متعالية” عن الافراد توجب تلقي الجزاء دون النظر الى من هم ؟ قيمتهم؟ مستوياتهم؟

 

يوسف صبري كاتب راي وباحث بسلك الدكتوراه بعلم الاجتماعي السياسي والتنموي.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.