من القلم إلى العناية: حين يعيد الصحفي المغربي اكتشاف ذاته بين ضفتي الوطن والمنفى

0

يحمل كتاب «De la Plume au Soin: Parcours d’un Journaliste Marocain au Québec» بين دفتيه سيرة إنسانية عميقة، تتجاوز حدود السرد الأدبي لتلامس أسئلة الهوية والتحول والمعنى في زمن الهجرة والاختيارات الصعبة. إنه عمل يروي مسار صحفي مغربي قرر، في لحظة مفصلية من حياته، أن يطوي صفحة مهنية لامعة في بلده الأم، ويفتح أخرى في فضاء مختلف، جغرافيًا وثقافيًا وإنسانيًا.

 

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا الكاتب إلى قلب الدار البيضاء، حيث لحظة الوداع ليست مجرد انتقال مكاني، بل قطيعة وجدانية مع سنوات من العمل الصحفي، ومع غرفة تحرير شكّلت ذاكرة يومية، وصنعت وعيًا مهنيًا ونضاليًا. مشهد الغروب على المدينة، وضجيج الأقلام والهواتف، ليسا مجرد تفاصيل سردية، بل رموز لفصل كامل من الحياة يُغلق ببطء وألم.

 

يبرز البطل، الصحفي ذو التجربة الطويلة، وهو يواجه قرار الهجرة إلى كندا، وتحديدًا إلى كيبيك، باعتباره قفزة في المجهول. قرار لا تحكمه الرغبة في تحسين الوضع المادي فقط، بل تحركه أسئلة أعمق تتعلق بالكرامة، وإعادة بناء الذات، والبحث عن معنى جديد للدور الاجتماعي للإنسان. هنا، تتحول الهجرة من فكرة حالمة إلى اختبار نفسي وثقافي قاسٍ، تتقاطع فيه مشاعر الحنين بالخوف، والطموح بالشك.

 

الكتاب لا يكتفي برصد تجربة صحفي في المنفى، بل يتتبع تحوله الجذري من عالم الكلمة والتحقيقات إلى عالم الرعاية الصحية، خصوصًا في مجال العناية التلطيفية. انتقال صادم في ظاهره، لكنه يكشف، في عمقه، عن خيط إنساني ناظم: خدمة الإنسان، سواء عبر نقل الحقيقة أو مرافقة الألم في لحظات الحياة الأخيرة. وهنا تتجلى قوة العمل، حين يربط بين الصحافة كفعل إنساني، والرعاية الصحية كأقصى تجليات التعاطف والمسؤولية.

 

في هذا المسار، تتبدى ثنائية «بين عالمين»: عالم الوطن بكل ما يحمله من ذاكرة وانتماء، وعالم الهجرة بما يفرضه من تعلم، وتواضع، وإعادة تعريف للذات. ويخرج القارئ بانطباع واضح مفاده أن الكتاب ليس مجرد حكاية شخصية، بل شهادة على جيل كامل من الكفاءات المغربية التي وجدت نفسها مضطرة لإعادة اختراع ذاتها خارج الحدود.

 

«من القلم إلى العناية» ليس كتاب حنين فقط، ولا سيرة مهنية تقليدية، بل هو تأمل صادق في معنى التحول، وفي قدرة الإنسان على البدء من جديد، مهما كان الثمن. إنه نص يضع القارئ أمام سؤال جوهري: هل نحن ما نمارسه من مهن، أم ما نحمله من قيم؟ سؤال يظل مفتوحًا، تمامًا كما تظل رحلة البطل مفتوحة على احتمالات الحياة ومعانيها.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.