«لنتحد ضد الحاجة»… من الشعار الملكي إلى فلسفة التضامن المجتمعي
شكّل شعار «لنتحد ضد الحاجة» الذي أطلقه الملك الراحل الحسن الثاني إحدى اللبنات المؤسسة لفلسفة اجتماعية قوامها التضامن والتكافل، قبل أن يجد امتداده العملي والإنساني في العهد الحالي بقيادة وارث عرشه محمد السادس، الذي رسّخ هذا الاختيار الاجتماعي وجعله رافعة أساسية من روافع السياسة العمومية ذات البعد الإنساني.
وعلى امتداد عقود من الزمن، باشرت مؤسسة محمد الخامس للتضامن تنزيل عدد وافر من المبادرات الاجتماعية الموجهة للفئات الهشة، وفي مقدمتها عملية قفة رمضان، التي أطلق صاحب الجلالة انطلاقتها في اليوم الثالث من شهر رمضان، مستهدفة أزيد من أربعة ملايين أسرة معوزة تعاني من الهشاشة الاجتماعية. مبادرة باتت تشكل موعدًا سنويًا راسخًا في الوجدان الجماعي، ودعامة أساسية للتخفيف من أعباء المعيشة خلال هذا الشهر الفضيل.
ولا تقتصر رمزية هذه العملية على بعدها الإغاثي الظرفي، بل تتجاوز ذلك إلى تكريس نموذج متكامل للتكافل الاجتماعي، يربط بين البعد الديني القائم على قيم الزكاة والصدقة والإحسان، والبعد المؤسساتي المنظم الذي يضمن العدالة في الاستهداف والنجاعة في التوزيع، في انسجام تام مع مقاصد ديننا الحنيف وروح التضامن المتجذرة في المجتمع المغربي.
وتطرح هذه المبادرة الملكية السامية، بما تحمله من دلالات عميقة، سؤالًا جوهريًا حول موقع الفاعلين الاقتصاديين وأصحاب الثروات في معادلة محاربة الحاجة: هل يحذو أغنياء وأثرياء المغرب حذو أمير المؤمنين في جعل التضامن ممارسة دائمة لا فعلًا مناسباتيًا؟ فالقضاء على مظاهر الفقر والهشاشة لا يمكن أن يكون حكرًا على المبادرات الرسمية وحدها، بل رهين بانخراط جماعي يؤمن بأن الثروة مسؤولية اجتماعية بقدر ما هي امتياز فردي.
إن العبرة من المبادرات الملكية ليست فقط في حجم الدعم أو عدد المستفيدين، بل في الفلسفة التي تؤطرها، فلسفة قوامها ترسيخ التعاضد الاجتماعي بين جميع الطبقات، وبناء مجتمع متماسك لا يترك أفراده في مواجهة الحاجة وحدهم، بل يجعل من التضامن سلوكًا جماعيًا وثقافة يومية تتجاوز منطق الإحسان إلى منطق الشراكة في تحمل الأعباء والمسؤوليات.
