الإخوة ماجان… أو ذاكرة الذين عبروا في الظل.

0

بقلم م. بوخار

 

في غياب الاهتمام الواجب والمسؤول من طرف الجهات المعنية بقطاع الثقافة في بنگرير، أصبح كل نشاط فكري، أو فني، تقوم به جمعية ما، أو مؤسسة، أشبه بمحاولة إعلان للذات الجماعية وللآخر، WE ARE BENGUERIR ندبر أمرنا وحدنا…!

لذلك، لم يكن تنظيم الدورة السابعة للملتقى الدولي للإعلام والثقافة والفن، الذي تنظمه ” مؤسسة الملتقى الدولي للإعلام والثقافة والفن”، مجرد موعد ثقافي عابر، بل بدا وكأنه إعلان رمزي عن حاجة المدينة إلى une mise à niveau culturelle خاصة بها.

ذاك، لأن المدن لا تزدهر بالإسمنت وبالطرقات والمشاريع الكبرى فقط، وإنما أيضا، بما تملكه من ثقافة وفن ومن ذاكرة، وما تنتجه من أسئلة، وما تقدمه لمبدعيها، ولسكانها من فضاءات للكلام والحلم والتأمل. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية مثل هذه الملتقيات الثقافية، لأنها لا تجمع المثقفين والمتتبعين حول الكتب فقط، بل تفتح المجال أمام المدينة لكي ترى صورتها في مرآة الأدب والفن والفكر.

وقد حمل اليوم الثاني من هذه الدورة، دفئا حميميا في إطار نشاط ثقافي، خُصص للاحتفاء بالباحث في سلك الدكتوراه، والكاتب الإعلامي والروائي يوسف صبري، لتوقيع روايته الجديدة «الإخوة ماجان».

لم يكن هذا النشاط الذي حضرت فقراته مجرد تقديم لرواية جديدة، بل بدا أقرب إلى استعادة لذاكرة بنگرير الجماعية، ذلك التجمع السكاني، أو لنقل ذلك المركز القروي، الذي تشكل فيه ” سوق ثلاث بنكرير ” بمكوناته الأولى، وبالوجوه التي مرت منه ذات يوم، وخلفت وراءها حكايات من حياتها البسيطة التي لا يكتبها المؤرخون في العادة.

فرواية ” الإخوة ماجان “، وقبلها رواية ” طفل السوق “، لا تنظر إلى السوق باعتباره فضاء للبيع والشراء فقط، بل باعتباره قلبا نابضا بدلالات اجتماعية وثقافية وسياسية، تعكس تناقضات وتحولات المجتمع المغربي آنذاك.

ومن هنا تكتسب رواية ” الإخوة ماجان ” أهميتها، باعتبارها لا تكتب التاريخ الرسمي، بل تحاول أن تلتقط بعضا من التاريخ المنسي الذي عاشه الناس العاديون أيام سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي؛ أولئك الذين مروا في الظل، دون أن يلتفت إليهم أحد بالكتابة عنهم، أو بتوثيق مسارات حياتهم. لهذا اعتمد المؤلف في منهجية كتابة روايته، على تقنية ” الاسترجاع السردي للذاكرة “، La méthode de réminiscence narrative التي منحت لروايته عمقها الإنساني، بالحديث عن الشخصيات التي تعيش على الهامش، بل وحتى على “هامش الهامش”.

ذلك، لأن الرواية الحديثة لم تعد منشغلة بالأبطال التقليديين، بقدر انشغالها بالمنسيين، والمنكسرين، والبسطاء، لأنهم يعكسون الحقيقة الأكثر صدقا عن المجتمع الذي يعيشون فيه. ثم إن الاهتمام بهذه الشخصيات لا يعتبر استعراضا، أو ترفيها في الكتابة، بل هو موقف فكري وإنساني، يعيد الاعتبار لأولئك الذين أخرجهم التاريخ الرسمي من الصورة.

وقد بدا واضحا من خلال مناقشة هذا النوع من الكتابة، أن العودة إلى الذاكرة ليست هروبا من الحاضر، وإنما هي وسيلة لمساءلته، ومقارنة ما كان بما صار، بحثا عن المعنى في وسط التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية، التي تعيشها المدينة الآن.

وفي ختام هذا اللقاء، بدا السؤال أكبر من رواية أو ملتقى ثقافي عابر؛ كان السؤال الحقيقي هو: كيف يمكن لمدينة مثل بنگرير، أن تكتب ذاكرتها قبل أن تبتلعها سرعة التحولات الحديثة؟ وكيف يمكن للأدب أن يتحول إلى شكل من أشكال المقاومة الناعمة، ضد اختفاء الأماكن، والوجوه، والحكايات… ؟

وربما لهذا السبب تحديدا، بدت رواية «الإخوة ماجان» أكثر من كتاب؛ بدت مدينة تعبر من زمن إلى زمن، تحمل ذاكرتها فوق رأسها كي لا تضيع منها. مثل أمّ تنقل أبناءها بين اليأس والرجاء، وتخشى أن تستيقظ ذات صباح فلا تتعرّف على ملامحهم فوق جدران الإسمنت، وفي شوارع ” الزفت “.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.