مرثية الأمكنة المألوفة:جدلية الذات والمدينة في تجربة يوسف صبري الروائية
يعتبر الكاتب والروائي يوسف صبري:
سارد التحولات وموثق ذاكرة الزمان والمكان ( ابن جرير بين الماضي والحاضر ) ، أو كما يحلو لي أن اصفه منذ اليوم ” مطارد الفراشات “
الكتابة كفعل ترميم للدات و المكان والانسان .
لا يمكن قراءة أعمال يوسف صبري، من “طفل السوق” وصولاً إلى “الإخوة ماجان” بوصفها مجرد سيرة ذاتية عابرة، فهي أكبر من ذلك بكثير في تقديري الشخصي ، إنها مشروع أدبي متكامل يقوم على “السرد ثم السرد”، حيث تصبح الكتابة وسيلة لترميم هوية مكان يوشك على الضياع تحت وطأة صخب الزمان والانسان و غبار الآلات، وزحف الاسمنت … عبر سرد دقيق للتفاصيل الجميلة التي علقت في الذاكرة، في ظل زخم يمكن وصفه بالمعركة ، معركة ضد النسيان ، ضد اللامبالاة، ضد التهميش لشخوص وأماكن يراهم الاخرين لا شيء ويراهم الكاتب صبري كل شيء. تماما كالطفل الذي يطارد الفراشات ؟ حيث لا يراها إلا هو جميلة ووديعة ومبهجة ، ويراها باقي العالم مجرد حشرة ، هنا تكمن قوة الكاتب وحسه الإنساني المرهف …
تجربة صبري السردية تنطلق من “الأنا” لتستنطق روح الجماعة( الناس ) في مدينة بن جرير( المكان ) ، الذي يتخلص من بعده الجغرافي المحدود، ويسافر بك الى عوالم خارقة في ذاكرة المؤلف ، سيرة ذهنية حتى كاتبها في اعتقادي لا يستطيع الجزم أين تنتهي الحقيقة وأين يبدأ الخيال ، وهذا ما نلاحظه في روايته طفل السوق، وأنت تقرأ لا تستطيع الجزم هل هي فعلا احداث واقعية أم مجرد محاكاة خيالية لما أراد له الطفل الصغير أن يكون…
تحت مجهر التفاصيل: “الهامش ” أو المنسيون
تقوم تجربة صبري على “هوس” استثنائي بالتفاصيل الدقيقة التي قد لا تلفت انتباه العابر العادي. إنه يمتلك قدرة “مجهرية” على تحويل العادي إلى استثنائي؛ فالسوق عنده ليس فضاءً للتجارية فقط، هو “مختبر إنساني” يغرف منه الكاتب أدق ما يختلج النفس البشرية، كل حركة وكل سكنة و انت تقرأ لصبري تشم الروائح وتسمع الهمسات وترى عينك التفاصيل الدقيقة جدا ن ينقلك من نظرة الماكرو إلى نظرة الميكرو، ترى بعين طفل وتحلل بعقل الراشد ( صبري الصغير وصبري الكبير ، اليوم والأمس .
“كان يشدني ذاك الإيقاع الرتيب لضربات المطارق على السندان.. شرارات النار لم تكن تحرق الهواء فحسب، بل كانت تنحت في ذاكرتي أولى دروس القوة والصبر” رواية طفل السوق.
البعد السيكولوجي “الطفل والمدينة” : “جدلية الانتماء والانفلات”
يبرز في سرده ذلك “الطفل الصغير” الذي يراقب علاقته بمدينة تنفلت من بين يديه. فيما يشبه تراجيديا صامتة لجيل شهد زحف الإسمنت على الطين، واغتيال الأمكنة المألوفة لصالح هندسة باردة ، حيث تتحول المدينة من كائن حي (بأزقتها وروائحها) إلى كتلة إسمنتية صماء، حيث يعيش الطفل الساكن في الكاتب حالة “غربة ” .
“كانت بن جرير تركضُ نحو الإسمنت بكثير من الزهو، وكنتُ أركضُ خلفها بقلب طفل يخشى اليتم المكاني.. لقد كانت المدينة تنفلتُ مني كما ينفلتُ الماء من يد عطشان”
سوسيولوجيا التحول: من الذاكرة إلى الرواية
تحتار فعلا ويأخذك الالتباس فصبري “الصحفي السوسيولوجي” يطل عليك بين الفينة والأخرى وبقوة ، بين تنايا السطور حين يشرح التحولات في العادات وتبذل الوجوه والأفكار رغم الهوية الأدبية المعلنة للرواية … هو لا يؤرخ للمباني، بل يؤرخ لـ “الإنسان” داخل تلك المباني؛ كيف تلاشت الألفة خلف الأبواب الحديدية، وكيف فقدت “التحايا” بريقها القديم. الرواية هنا هي “شهادة حية” على انتقال المجتمع من البساطة إلى تعقيدات الحداثة، ما يشكل مزيجا رائعا من متعة الآداب وجمال السرد التاريخي و الحليل السوسيولوجي ، حيث يستحيل أن تجد حدود فاصلة بين هذه الاجناس الفكرية والثقافية ، لهذا نحن بصدد مثقف كبير بحس مرهف وذاكرة قوية وتحليل عميق للشخوص والسلوكات البشرية وأسلوب أدبي يشكل بصمة وراثية لا مثيل لها في عالم الكتابة .
الأسلوب السردي: لغة “القبض” على اللحظة
يتميز أسلوبه بلغة تجمع بين الوضوح الإعلامي والبوح الأدبي في نسقية مرتبة بإحكام . السرد لديه ليس ترفاً، بل هو فعل “مقاومة ضد النسيان” إنه يحاول “تحنيط” اللحظة الجمالية لمدينة بن جرير قبل أن يمحوها الزمن، معتمداً على قوة الوصف وقدرة الحكي على استعادة لحظات بقيت مطبوعة في ذاكرته.
الكتابة كوطن بديل للكاتب
في الختام، يمكن القول أن الكاتب يوسف صبري وخاصة في طفل السوق يقف على الحافة بين زمنين؛ زمن الطين الذي يذوب، وزمن الإسمنت الذي يتغول. إنه يجعل من “التفاصيل الصغيرة” وطناً بديلاً، ومن الكتابة جسراً يربط طفل الأمس برجل اليوم، في محاولة شجاعة للإمساك بمدينة لم تعد موجودة إلا في حبر كلماته.
خواطر قرائية للأستاذ المصطفى بوجرة
