لا يخفى على الباحثين في سوسيولوجيا الإعلام الدور الحاسم الذي لعبه الإعلام في ترجيح كفة الصراع لصالح الغرب إبان الحرب الباردة، حيث سوق لمفاهيم الديمقراطية الحرية الفردية وتصوير المجتمع الغربي وكأنه المجتمع الذي يحقق السعادة والرفاه الفرديتين، مما كون رأيا عاما داخل المجتمعات الشرقية خلخل كثيرا من أسس الوعي الشمولي القائم على الخضوع والامتثال للجماعة، والتي يشكل فيها الزعيم بكاريزميته محور السلطة فيها وأساس هوية هاته الجماعة.
بعد انقضاء الحرب الباردة ، تغيرت الإستراتيجية الإعلامية للغرب، ووجهت بوصلتها نحو منطقة الخليج العربي ارتباطا بتحقيق أهداف يتداخل فيها ما هو اقتصادي بما هو سياسي وثقافي، وفي هذا الإطار وقع اختيار الغرب على قطر كدولة حاضنة لقناة الجزيرة وموجهة لسياستها الإعلامية، فساهمت هذه الأخيرة كثيرا في خدمة مشروع هذه الإستراتيجية من داخل النسق العربي والإسلامي.
و للوقوف على نقط تقاطع السياسية الإعلامية للغرب والخط الإعلامي لقناة الجزيرة لا بد من التطرق للأسئلة المنهجية التالية:
لمادا اختيار قطر بالذات من بين دول الخليج لخدمة المشروع العربي؟ أين يمكننا تلمس التقاطع بين السياسة الإعلامية للجزيرة ومشروع الهيمنة الجديد للغرب من خلال استقراء لبعض برامجها والمحطات التاريخية التي قامت بتغطيتها؟
بدا اهتمام الغرب جليا بدولة قطر حين تقرر نقل إحدى القواعد العسكرية الأمريكية المهمة من السعودية إلى داخل أراضيها، ومن خلال وجود بصمات مخابرات وتكنولوجيا إعلام الغرب في صنع وحبك أحداث ما سمي بالانقلاب التلفزيوني، والتي عمل فيها الغرب على تنصيب نظام يكون أكثر قابلية لخدمة مشروعه في الهيمنة، ولعل ما يفسر أيضا هدا الاهتمام بهده الدولة الصغيرة بالخليج العربي هو كونها قد عرفت طفرة اقتصادية مصدرها ريع نفطي، وما يستتبع دلك من امتلاكها لسيولة نقدية ساهمت في إعادة الحياة لاقتصاديات الدول الغربية، ومكنتها مرحليا من الخروج من أزمة اقتصادية بنيوية كان الغرب يستشعرها منذ أمد بعيد، وكذا لوجود نظام قطري منفتح نسبيا بالمقارنة مع باقي الأنظمة بالمنطقة مما يؤهله لان يكون دعامة وقوة دافعة لما يسمى بحركات الإسلام السياسي ضدا على الحركات الإسلامية المتطرفة، والمتتبع العادي يلاحظ ذلك جليا في مجريات وتداعيات ما سمي ” الربيع العربي” كما أن قطر برزت كمحتضن لأهم المرجعيات الدينية ذات التوجه السلفي المنفتح، والتي شكلت محركا في التحريض والتعبئة لصالح حكومات الإسلام السياسي.
إننا نلمس التقاطع بين مشروع الهيمنة الاقتصادية والثقافية للغرب والسياسة الإعلامية لقناة الجزيرة من خلال استقرائنا لأهم المحطات والبرامج الإعلامية التي ميزت مسار هذه الأخيرة.
ففي البداية حاولت هذه القناة القطرية التظاهر بتبنيها لخط إعلامي يناقض المصالح الغربية في المنطقة العربية والإسلامية ، بالتركيز على تثبيت مسألة وجود تنظيم القاعدة بكونه يمتلك قوة خرافية في الوعي الجمعي الإسلامي من خلال تغطية أحداث 11 شتنبر بأمريكا والاقتراب أكثر من هذا التنظيم من خلال برامج محددة ” زيارة خاصة” ” سري للغاية” أو لقاء خاص مع بعض قادة هذا التنظيم، أو حبك مسرحيات مخابراتية تحاول أن تصور هذه القناة وكأنها الضحية ومصدر للحقيقة الوحيد الذي سينير ظلمات القهر والاستبداد اي يجثم على صدر المواطن العربي والإسلامي، وهي تهدف في ذلك من جهة كسب ثقة هدا الأخير، والتحكم فيها ، بالتركيز على المعطى الديني وتصويره كخيار وحيد لخلاص شعوب تعاني الانتكاس والإحباط من كل التجارب الوطنية والقومية التي عاشتها، ونسجل في هدا الإطار الخلفية الإعلامية التي حكمت برنامج “شاهد على العصر”، حيث تحكمت فيه على وجه الخصوص نزعة تصوير التجارب الجمهورية دون الملكية بالعالم العربي والإسلامي، وكأنها تجارب انقلابات ومؤامرات وصراعات شخصية حول السلطة، وإفراغها بالتالي من كل حمولة وطنية وهم في التغيير، ونسوق هنا مثالا عن الحلقة المخصصة لتجربة الضباط الأحرار بمصر” والهدف من كل هذا هو تشكيل رأي عام من أجل تهيئ الأجواء والشروط الثقافية الممهدة لتحقيق انسيابية وصول الإسلام السياسي إلى السلطة في البلدان العربية والإسلامية وفق التصور والمصلحة القطريين، ومن جهة أخرى شكلت هذه السياسة الإعلامية والتي بسطنا بعض معالمها والخلفيات التي تحكمت في رسم خطها الإعلامي سندا مبرراتيا ساعد الغرب كثيرا في سياسته الجيواستراتيجية من خلال إعادة تموقعه في المنطقة العربية والإسلامية والتحكم بالتالي في الثروة النفطية التي تزخر بها المنطقة تحت ذريعة التصدي لحركات التطرف الإسلامي ومثال على ذلك ما حصل مع حركة طالبان بأفغانستان وتنظيم القاعدة بالعراق.
انتقلت القناة القطرية فيما بعد إلى مرحلة الترويج لمفاهيم الديمقراطية وحرية التعبير والعدالة ومن خلال رفعها لشعارات من قبيل ” الجزيرة منبر من لا منبر له: ، و” الجزيرة قناة الرأي والرأي الآخر”، وتبنيها لبرامج محددة من قبيل “الاتجاه المعاكس” و “أكثر من رأي “، وهي تهدف أساسا تقديم منتوج إعلامي يزعم انه يخرج المشاهد من نمطية وتبعية إعلام رسمي عربي وإسلامي يمجد ويطنب في مدح وتخليد الحاكم العربي وبالتالي فهي تسعى لإعداد رأي عام عربي متشبع بالشعارات السالفة الذكر والتي في مجملها غربية المنشأ والتأويل ويصيبها كثير من التشويه والتحريف عند قولبتها وفق رؤية حركات الإسلامي السياسي، حيث بدا هذا جليا في تداعيات ما سمي” الربيع العربي” فاستخدمت هذه الشعارات والمبادئ الديمقراطية في اتجاه عودة الاستبداد والهيمنة على السلطة من طرف هذه الحركات طبعا بتغطية قطرية، وتزكية غربية.
وخلاصة القول ستكون على غير العادة عبارة عن أسئلة ارتأينا طرحها، رغبة في ترك فسحة للقارئ من أجل ممارسة حقه في التأويل والاختلاف:
هل المشروع الإعلامي لقناة الجزيرة يستهدف حقيقة المساهمة في بناء صرح الديمقراطية بالعالم العربي والإسلامي؟
لماذا يركز أساسا ويستنفر كل الإمكانات والطاقات البشرية واللوجستيكية في اتجاه تأجيج” الثورات ” ضد أنظمة جمهورية دون غيرها؟
ألا يشكل التطابق العسكري والتماهي بين دولة قطر والغرب فيما هو اقتصادي وسياسي وثقافي وحتى رياضي معطى جوهريا يزيل كثيرا من اللبس عن أهداف ومقاصد المشروع الإعلامي لقناة الجزيرة؟
ألا يوحي وجود مكتب إعلامي لهذه القناة بفلسطين المحتلة الكثير من الشكوك حول هويتها ومزاعمها بكونها لسان الحقيقة والموضوعية في المشهد الإعلامي العربي ؟
كيف نفسر الاغتيالات الإسرائيلية لبعض القيادات المقاومة مباشرة عقب قيام هذه القناة بإجراء لقاءات أو حوارات معها؟