أمة بين ماض مجيد وحاضر مرير.

0

bouj

عندما تقرأ في تاريخ الأمة عن انتصاراتها وبطولاتها وفتوحاتها وازدهارها وتقدمها وتطورها تحس بأنك تقرأ عن أمة ليست هي نفسها الأمة التي تنتمي إليها وتعيش فيها، تحس أنك تقرأ عن أسطورة خيالية أو أن ما تقرؤه مبالغ فيه، وما هذا الحكم الذي أصدرته إلا لأنك قارنت ما تقرأه من أمجاد تاريخ الأمة بواقعها الحاضر المرير، لكن لا تعجب من تاريخ أمتك ولا تتوهم أن فيه زيادة أو خيال، فالأمة كانت في ماضيها غير الذي هي الآن عليه، كانت في عهد بانيها ومؤسسها محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام أمة تشع إشراقا ونهضة ويقف لها أكاسرة الروم وأباطرة العرب إجلالا واحتراما، أمة يُضرب لها ألف حساب وحساب ويضرب بها المثل في الوحدة والتماسك.

وما هي بأقل من ذلك في عهد الرجل الثاني فيها وهو أبو بكر الصديق، أمة عزيزة أعزها الله بالإسلام، وتحدث عن بطولاتها وفتوحاتها في عهد الرجل القوي عمر بن الخطاب كيف استطاع أن يقوي عضدها ويوسع في جغرافيتها، بل استطاع أن يدخل نور الإسلام في قلوب كثيرين في كثير من البقع الأرضية، فقد حكم وعدل ونام مطمئن البال، وقال قولته الشهيرة:”نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ارتضينا العزة في غيره أذلنا الله” وتوفي وهو مرتاح الضمير عزيزا بالإسلام، وهي كذلك في عهد عثمان بن عفان كانت قوية عزيزة، وكذلك في عهد علي بن أبي طالب وفي عهد الدولة الأموية، وفي عهد عمر بن عبد العزيز الذي جعل الأمة في صورة أبهرت الدارسين والمؤرخين و المحبين والمبغضين، فهو الذي أمر بأن تُرمى الحُبوب على رؤوس الجبال حتى لا يُقال أنه بقي في أمة الإسلام طائر جائع، هو الذي أمر بجمع الزكاة وصرفِها في ما يجب أن تُصرف فيه حتى لم يبق أحد يحتاج إلى زكاة، وأمر بأن يزوج كل شاب يريد الزواج من بيت مال المسلمين، أي عزة وأي كرامة وصلت إليها الأمة، وكذلك كانت في دول كثيرة تعاقبت على حكم هذه لأمة، رغم المد والجزر الذي يُصيب أي أمة، فهذه سنة الله في كونه، فقد أصيبت الأمة في بعض مراحل تطورها بالضعف والهوان، وما لبثت أن عادت خيرا مما كانت عليه، أمة صنعت أبطال، علماء أفذاذ ومجاهدين أشراف، جعلوا من الأمة خير أمة، يأتيها الأوربيين ليقتاتوا على موائد علمها في الأندلس وفي غيرها.

فلن نستطيع أن نوفي الأمة حقها مهما ذكرنا من بطولاتها وأمجادها، فما يُذكر ربما يسيء إليها مقارنة معا ما كانت عليه في أوج عطائها ومجدها.

لكن ما إن تقف لحظة عن هذا الحلم الجميل الذي كنت تحلمه، وترجع البصر إلى ما نحن عليه الآن حتى تحس بصداع في رأسك وحسرة في صدرك وثأثأة في لسانك لا تستطيع بها التعبير عن هذا الهول الذي صارت إليه الأمة بعدما كانت عزيزة قوية.

أنظر إليها الآن في كل مكان، لن ترى مجزرة ولا ذلا ولا هوانا إلا وتعلم أن هناك إنسان ينتمي إلى هذه الأمة، أمة أصبحت هي التي تقتات على قشور الغرب بعدما كانوا هم يقتاتون على لب ما في الأمة وليس قشورها وما كان فيها قشور، فأصبحت الآن كلها قشور لا لب فيها، إلا قليل.

أمة لا يهتم أبناؤها إلا بآخر الموضات في الملبس والمشرب والمأكل، وآخر الموضات في تسريحات الشعر، وفي العري والسفور والتبرج، أمة ذلت عندما أخضعت نفسها للشرق الملحد والغرب العَلماني، فعندما كانت تبتغي العزة في الإسلام أعزها وأكرمها الله سبحانه، ولكن لما غيرت وبدأت تبتغي العزة في النظم الغربية والدساتير الأوربية والمناهج الأمريكية في التعليم والاقتصاد والتدبير وغير ذلك أذلها الله ووكلها لنفسها فضاعت وتاهت بين ثقافة مستورة وفكر أكل عليه الزمان وشرب.

أمة جعلت البراء من الذين أمرنا الله سبحانه بولائهم، وجعلت الولاء للذين أمرنا سبحانه بالبراء منهم.

أمة انشغل شبابها بأتفه الأمور بين ملعب كرة وصالة رقص وحفلة غناء.

أمة شرب شبابها ـ إلا من حصنهم مولاهم ـ الخمر وسمعوا الغناء وشاهدوا الرقص وتمتعوا بالفرج الحرام، وناموا مطمئنين البال نومة عمر، وكأنهم عدلوا في الحكم أو نشروا الإسلام في مختلف الأرجاء، أو جاءوا من معركة تحرير القدس.

غفل في الأمة ناس كانت تأمل في أن يعيدوا لها مجدها، فخاب ظنها فيهم، فليس لهم وقت لأمتهم، فأوقاتهم مراسلات واتصالات مع فتيات وعشيقات، آه آهات في الصدر على ما أكتبه مما وصله حال أمتي، كفاني من ذكر معايـبها فقد انقبض صدري من ذلك.

أما آن لك يا أمة الإسلام أن تعودي عزيزة قوية كما كنت، هل سنبقى دائما نندب حالنا ونبكي على ضياع الأندلس والقدس وكثير من بلاد المسلمين، وننادي على صلاح الدين فلا يستجيب، هل ننتظر أن نستيقظ يوما فنجد أن الأمة قد عاد لها عزها مجدها، لن يكون ذلك فقد حكم سبحانه أنه لا يغير ما يقوم حتى  يغيروا ما بأنفسهم، فمتى نغير ما بأنفسنا، متى نتخلص من عيوب جعلت منا أرذل الأقوام.

الأيام تمر والأزمان تترى والأجيال تذهب وتجيء أخرى ونحن ننتظر أن ينبعث مصلح هنا، أو منقذ هناك أو عالم هنا أو هناك، وما غيرنا من سوء حالنا شيء.

الأمة في رقابنا يا ناس، لماذا لا نصلح، لماذا لا يُصلح كلٌ من موقعه الذي فيه.

فهذه دعوة لكل مسلم أن يقوم بالإصلاح والتغيير مبتدأ بنفسه ثم أهله ثم أمته، وبذلك سينصلح حال الأمة إنشاء الله وستعود خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فيكون جزاء أبناءها السعادة في الدنيا والفلاح في الآخرة.

بوجمعة حدوش   boujamaa_hadouch@hotmail.com

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.