“الاستثمار في الإنسان أساس التنمية” شعار رفعته جمعية الفتح للتنمية بجماعة سيدي غانم بإقليم الرحامنة في القافلة الطبية ، فهل هناك استثمار في هذا الإنسان؟
ليس سهلا علينا اليوم في مغرب ما بعد دستور ” الفتح العظيم ” أن نتحدث عن الإنسان باعتباره أساس للتنمية ، الحقيقة خلاف الحلم وخلف التطلعات ، وزيارتنا إلى المركز الصحي بقلب جماعة سيدي غانم أتبت العكس ، بين ووضح أن المغرب العميق ، المغرب الغير النافع ، مغرب الأوباش لا يمكن الحديث فيه عن مثل هكذا تصور ، ظهر بالواضح ونحن نخالط ساكنة الجماعة التي تجمعت في يوم واحد وساعة واحدة وكلها تشكي الأمراض المزمنة وتشكي الفقر والهشاشة والخصاص ، لنتساءل كم من الأموال تحتاج جماعة واحدة من أجل تأهيل البشر فيها وجعله أساسا للتنمية ؟ ربما مقدرات البنك الدولي وصندوق النقد كلها لا تكفي لإسكات مواطن يشكو كل شيء ويشكو الأوجاع والأمراض ويشكو العدم .
وبالعودة إلى الموضوع ، موضوع الصحة بجماعة سيدي غانم وبالإقليم عموما ، ومن خلال المجهود البسيط لجمعية الفتح للتنمية وبشراكة مع الجماعة القروية لسيدي غانم ، تبين أن المسؤولين في هذا الإقليم لا يريدون خيرا بالساكنة مع كل الأسف ، التي هي أساس التنمية، وأن جرحها هو إعدام وإقبار للتنمية ، للإشارة فالقافلة الطبية التي زارت الجماعة جاءت من أجل إجراء فحوصات على العيون وظهر في الختام كم الخصاص وكم الضرر المادي والمعنوي الذي يعيش ضحيته 17 ألف مواطن هم مجموع ساكنة الجماعة ، من دون ولو ممرض وحيد ومن دون أي شيء يرتبط بالصحة ، اللهم بناية تنتظر زيارة جمعية من كوكب آخر لزرع الابتسامة على وجوه الناس .
كانت وجوه القرويين شاحبة بفعل الجفاف الذي حل بكل شبر من الأرض ، كانوا غاية في العياء والأمية والتخلف ، مسؤولوا جمعية الفتح تحدثوا عن استهداف 100 فرد فحضرت أمة محمد كلها مريضة ” عيانة ” فكبر على المسعفين الاستجابة لكل ذلك ، ما سجلته عدسة الصحافة يندي الجبين. كيف يعقل أن تعيش جماعة بكل هذه الساكنة بلا ممرض أو طبيب أو حتى جرعة مشروب ، بعض من حاورناهم من الأهالي القادمين من على مسافات كبيرة حكوا بانفعال فوق الصرخة ، حكوا عن العراء والمرض والجوع والعطش والفقر وأحزنهم أمر الصحة أكثر ، فقدوا الأمل في كل شيء ومجهود جمعية الفتح لم يكن قادرا على ستر كرة الثلج التي يتحمل مسؤوليتها بنظر أغلبهم من بيده قطاع الصحة في هذا الإقليم، وهو المندوب الذي رأوه صاحب الأمر والنهي .
صرخة ساكنة جماعة سيدي غانم ، تقابله صرخات من كل جماعات الرحامنة بين من يفقد حياته بمستوصفات خاوية على عروشها ، وبين من يفقدها على الطريق ، وبين بطاقة راميد أو كما يسمونها بطاقة ” الترمميد” وجيوب خاوية هو الموت بعينه .
من أجله يراد اليوم بالمسؤولين الاستماع قدر الإمكان إلى صوت البشر على يابسة الرحامنة التي تتكسر بها قلوب الناس على هضاب وصخور إقليم فقير ينتمي إلى المغرب العميق في كل شيء . بعض القرويين تحدثوا عن فقرهم وعن قلة ذات اليد وعن جنس من البشر لا هم بالفلاحين ولا هم بالكسابين ولا أي نسل من أنسال الإنسان ، تنقلنا وحدثنا إلى كل الأطراف، مسؤولين جماعيين ومسؤولي جمعية الفتح ، أجمع الكل على أن جماعة سيدي غانم تصرخ في القبور فقط حينما لا يسمع صدى الصراخ بين الأحياء ، فيوم القافلة الطبية لفحص العيون كان يوما من ساعات يوم القيامة ، كلاب وحمير وبغال ملأت المكان ، وأطفال وبنات صغيرات في أعمار الزهور لباسهم عراء ودواءهم أنين وقساوة عيش ضنك في الدنيا قبل الآخرة ، وشيوخ ورجال نال منهم العياء والمشيب والتعب ، بالية ملابسهم مفرمة أسنانهم ، تصطك من شدة البرد وجفاء الطبيعة ، تحاملت عليهم كل الدنيا ، هم الأميون والطاعنون في البداوة ، صرختهم على وجوههم ونساءهم بجوارهم هم بالمئات ، يلبسون ولا يلبسون ، وبرد وريح صرصر عاتية وقفر في مغرب ، بعضه يتمتع بالدفء والمكيفات ولباس الديباج والحرير ويركب السيارات ويملك الأثات ومقومات عيش فصل البرد والصيف ، تناقض لا يملك معه الإنسان سوى أن يحكي عن الفرق بين مغرب يحلم فيه الإنسان ومغرب لا يمكن أن يحلم فيه هذا الإنسان ، ويبقى شعار جملة من شباب الجماعة ومثقفيها وأساتذتها وأبنائها شعار ينظر بإمعان لإنسان لم يجدوا من قوة لإنقاذه، سوى جلب قافلة في انتظار أن يتحرك من بيده الحيلة على الأقل لوضع اليد على جرح من جراح كثيرة وكبيرة لن يداويها الدستور ، ولا برمجة الفائض ، ولن يستطيع رئيس الجماعة ولا أموال المبادرة انقاد إنسان هو بالنهاية أساس التنمية من هنا إلى يوم القيامة .