حدثنا الفران الكريم عن أصحاب الأخدود .وفصلت لنا كتب السيرة النبوية قصتهم بوضوح ،قصة ملك عنيد غاشم صنع أخدودا عظيما وأشعل فيه النيران ،ليلفي فيه كل ذاكر لله الواحد الأحد .تختلف روايات الفصة ،لكن المغزى واحد.وتختلف المفاهيم لكن الأخدود هو الأخدود .إنه هوة سحيقة تشكلها عوامل الطبيعة في المرتفعات الجبلية والهضاب الصخرية .لكن في الرحامنة الجنوبية ،اليد البشرية البطاشة هي التي صنعت هذا الأخدود ،يد ممتدة من مستنفعات الجشع والريع الى أرض الله لتعبث فيها …هذا هو حال وادي تانسيفت ،وادي حولته اليات مقالع الرمال من واحة خضراء الى مجموعة أخاديد قاحلة ،تنعدم فيها الحياة ،ويسود فيها الدمار .ضجيج وغبار متطاير في الأنحاء وصمت رهيب من لدن الجهات المسؤولة …وكأننا نعيش على أعتاب يوم المحشر .
وانت زائر للجماعتين القرويتين “الجعيدات”و”بوروس” بالرحامنة الجنوبية ،يأسر نظرك غبار متطاير في الأجواء،وضجيج يملأ الأنحاء .تستفسر عن الموضوع فتأخذك الدهشة الكبرى عندما تعلم أن مصدر هذا كله وادي تانسيفت .فتقف شاردا مشدوها وكأنك في الأرض الخطأ.ثم تلمح معالم تعرفها جيدا ،فتتأكد أنك فعلا في أرض الرحامنة وعلى ضفاف وادي تانسيفت .يدفعك الفضول فتترجل ماشيا نحو الوادي .مسترشدا بعلامة بارزة ،متبثة على يمين الطريق الوطنة رقم 8 ،عند النقطة الكيلومترية 28 ،كتب عليها :مقلع درعة .تتجه شمالا املا أن تجد شيء يسيرا مما حكي لك عن مظاهر الحياة في الوادي .في الطريق تصادف العشرات من الشاحنات الكبيرة المحملة بالرمال ،تخلف ورائها غبارا كثيفا يقلق المارة. ثم تستوقفك مظاهر الحزن والأسى ،ويخنقك غبار كاسرات الأحجار وجارفات الرمال ويخترق رأسك ضجيج لا يطاق .
تقف مدحورا وأنت الداري بالوادي ، وبثروته الحية من ماء ونبات وحيوانات. كان النهر دائم الجريان ،ترتاده اصناف من الحيوانات وعلى جنباته ينتشر غطاء نباتي متنوع .وعلى ضفاف الوادي تنتشر حقول الزيتون والرمان ومختلف المزروعات .مجال أخضر حي يوفر دخلا قارا للقرويين البسطاء وأبنائهم ويوفر الكلأ لأنعامهم ودوابهم .
اليوم انقلبت الأوضاع رأسا على عقب .ماتت أشجار الزيتون والرمان ،واحتطب الناس أغصانها المتكسرة،وجفت الأبار كما روى لنا أحد الفلاحين وعلامات الحسرة بادية على جبينه .ولم تعد قطعان الأغنام تروي عطشها .وبقدرة قادر تحول الناس الى حشود من العاطلين عن العمل .لأن حقولهم المعطاء أرسل عليها أرباب المقالع حسبانا فأصبحت صعيدا زلفا .
توغلنا وسط الأخدود ،نحاول عبوره الى الضفة الشمالية ،وفي خضم ذلك صادفنا رجالا من المنطقة ،ودون سؤالهم استرسلوا في الحديث عن معاناتهم اليومية مع هذا التحول الذي أصاب الوادي :زوابع ترابية وقطع للطريق أيام الشتاء وعزلة قاتلة ،تضيع معها حقوق المواطنين البسطاء .
عرجنا على مدشر صغير يسمى”دار الصويري”تابع لجماعة “الجعيدات”.حيث بالقرب منه يمتد أحد أكبر المقالع ،كأنه طود عظيم من الرمال ،حدثنا أحد سكانه عن الجحيم الذي يعيشون فيه،ضجيج وغبار مستمرين ليل نهار ،واطفال مرضى بضيق التنفس ،وحيوانات تبدل لونها من تساقط الغبار عليها….
توجهنا صوب “دوار عباس بن المعطي” التابع لجماعة “بوروس” ،ودوار “المهازيل” التابع لجماعة “الجعيدات” لنسمع نفس الحديث .وبعد استفسار عدة جهات محلية خاصة أعضاء المعارضة بمجلسي الجماعتين ،اتضح لنا أن حجم الدمار الذي تتسبب فيه المقالع لا يتوافق مع حجم التعويض الذي تحصل عليه كل من الجماعتين .وأكد لنا أعضاء جماعيون اخرون أن هناك تواطؤ للمنتخبين في الموضوع ،حيث يعمدون الى حماية مصالح المقاولات على حساب مصالح المواطنين القرويين ،الذين انتخبوهم للسهر على خدمتهم .
جلسنا فوق ربوة مقابلة لأحد المقالع ،ورصدنا عدد من المواطنين المحليين يقبلون فرادى على باب أحد المقالع ،ثم ينصرفون بسرعة .استفسرنا عن الأمر ليؤكد لنا عدد من المواطنين ،أن هؤلاء سماسرة يستعملهم أصحاب المقالع في تهدئة ألأوضاع بالمنطقة وتزويدهم بتحركات المجتمع المدني الرافض لهذه الإنتهاكات الجسيمة في حق الأرض ومن غليها.التقينا أحد الوسطاء وسألناه عن الوضع ،فأخد يمدح صاحب مفلع تابع لتراب جماعة الحعيدات بشكل غريب ،حيث أكد لنا أن صاحبه رجل طيب وجواد،ويساهم في حركة التنمية بالمنطقة ،وأن بعض نشطاء المجتمع المدني هم من يشوش عليه وعلى إصلاحه في البلاد .
اتصلنا بصاحب المقلع ،فأكد لنا أنه يملك مقاولة مواطنة ،تساهم في شق الطرقات وفي بناء بعض المنشئات ،كما توفر شغلا للقرويين ،وأكثر من ذلك هي مقاولة مسؤولة تحترم التزاماتها وتعهداتها .والغريب في الأمر أن رؤساء الجماعات الترابية أجابوا على نفس السؤال بنفس الجواب ،مما لا يدع أي شك في كون الجميع نسق واحد .وهذا ما أكده العديد من المواطنين الذين رصدوا المنتخبين وأرباب المقالع على نفس الطاولة بمقاهي مراكش.
توغلنا قليلا وسط البساتين اليابسة ،وصادفنا فلاحين يحتطبون أشجارهم المقدسة ،التي لم تعد تنفع سوى لإضرام النار فيها .تبادلنا معهم أطراف الحديث ،واكدوا لنا نفس الفكرة ،قدوم المقالع هو من دمر السواقي التقليدية وساهم في اجتفاف ابارهم ،وبالتالي تحويل حياتهم الى جحيم لا يطاق .وهو الأمر الذي أكده لنا سكان دوار “الحليوات”التابع لجماعة “بوروس” ،حيث أخبرنا نشطاء العمل الجمعوي بالدوار أنهم يملكون ساقية تدعى “السلامية”منذ عهد السلطان الحسن الأول ،لكن دمرها احد المقالع دون اعتبار لتاريخها ولا لوظيفتها التضامنية .
على ضفة الوادي ،قبالة دوار “المهازبل”التقينا رجلا ينظف بئره الجاف وعلامات السخط بادية عليه،فسبقنا الى الكلام قائلا:وجدت صخرة صلبة بقعر البئر ،قبل مجيء جرافات الرمال كان الماء وفيرا وغير عميق ،لكن اليوم لاشيء .والأدهى من ذلك أن أصحاب المقالع يعمدون الى حفر أبار عميقة ،باستخدام اليات متطورة ،ومضخات كهربائية قوية تمتص كل المياه الجوفية ،يستعملونها في غسل الرمال ،على مرأى ومسمع من الفلاحين . نفس السؤال عن المياه الجوفية بالمنطقة حملناه الى مختصين في الجيولوجيا .فكان الجواب صادما ومؤلما …
منطقة الرحامنة الجنوبية عبارة عن قاعدة صخرية تعود الى الزمن الجيولوجي الأول،لم تتعرض لحركات تكتونية ،وواد تانسفت يجري على جزء من هذه القاعدة ،هذا يعني عدم توفر فرشة مائية كبيرة،هناك فقط فرشة متجددة شكلها النهر مختلطة بترسباته الرباعية الهشة ،وأي تدخل غير مدروس سيخلخل وضع المياه الجوفية في المنطقة . وهو نفس الجواب الذي حصلنا عليه من وكالة الحوض المائي لتانسيفت من قبل .
ويلاحظ مدى التطابق الكبير بين المختصين والفلاحين في إلقاء اللائمة على المقالع .وهو ما أكده بالملموس السكان المحليين الذين رأوا بأم أعينهم الجرافات تحفر حفرا عميقة بالوادي تجاوزت 20 مترا بحتا عن الرمال النقية ،التي استغرق النهر ملايين السنين في تكوينها .والأخطر من ذلك أن عملية ردمها تتم بشكل لاأخلاقي،حيث تطمر بالطين مما يسد الطريق على مياه الفياضانات فلا تتسرب الى ابار الفلاحين والفرشة المتجددة .
توغلنا في مجرى النهر ،الذي أصبح أحدودا قاحلا تنعدم فيه أسباب الحياة ،وعند خروجنا منه صادفنا رجلا يرعى بضع شويهات عجاف ،وأثناء الحديث معه أخبرنا عن خيرات الوادي .كانت جنبات النهر غاصة بأصناف النباتات والشجيرات مثل:الطرفاء،القصب،وغيرها من الأعشاب ،وكان ذلك يشكل مصدرا هاما من الكلأ للماشية ،يزداد اهمية خلال مواسم الجفاف ،اليوم لا شيء مما ذكر ،سوى الغبار المتطاير والضجيج. واغلب الفلاحين تخلصوا من مواشيهم ،لأنها أصبحت مكلفة .
لا فرق بين أصحاب الأخدود المذكورين في القران الكريم ،وبين أصحاب الأخذود بالرحامنة الجنوبية .الأخدود الأول حوله ملك جبار الى جحيم بإضرام النار فيه ،وألقى فيه المؤمنين بالله .والأخدود الثاني أنشأه أرباب المقالع بوادي تانسيفت والقوا فيه مستقبل منطقة بأكملها ،وأماني أبنائها وطموحاتهم .الأخدود يوجد على مرمى حجر من مدينة مراكش ،في الوقت الذي نفتخر ببناء هذه المدينة وبهرجتها، نحطم في صمت أريافها وأسسها التي قامت عليها،فالتاريخ يشهد أن واحات سهل الحوز هي التي صنعت مراكش ،وتدمير هذه الأرياف إنما هو تدمير لمراكش مع سبق الإصرار والترصد… يين الأخدود والآخدود مسافة من الزمن ،لكن وجدا لنفس الغاية :إلقاء البسطاء من بني البشر في الجحيم …