أخر الأخبار
الرئيسية » تحقيقات » السفر في زمن الوباء .. هذه تفاصيل رحلة أندلسية قبل غلق الأجواء

السفر في زمن الوباء .. هذه تفاصيل رحلة أندلسية قبل غلق الأجواء

السفر في زمن الوباء .. هذه تفاصيل رحلة أندلسية قبل غلق الأجواء

كأنّي أعرف هذا المكان. أو كأنّي لا أعرفه. مشاعري ملتبسة رغم أنّ ما يطفو على سطح الوجدان أشبهُ بالفرح. فرح العودة إلى مكان أثير افتقدتُه. طال الغياب. كأنّما مرّت عقود على آخر عبور لي من هنا. يا لَوطأة هذه الأشهر الكورونية الثقيلة. كأنها دهرٌ كاملٌ. أو كأنَّها الدّهر.

غادرتُ مطار مراكش المنارة آخر مرة عائدًا من بروكسل يوم 12 مارس 2020. بعدها بيومين، أغلق المغرب أجواءه في وجه بلجيكا ودول أوروبية عديدة، ثم انفصلنا كليًّا عن العالم لنخوض تجربة الحجر الشنيعة. كم مرّ على ذلك الربيع المُصادَر؟ بضعة أشهر، ربما. بل لعلَّها عشرون شهرًا بالتمام.

بعد إنهاء الإجراءات، صعدتُ إلى الطابق العلوي من المطار. اخترقتُ السوق الحرّة باتجاه ستاربوكس. طلبتُ كابوتشينو من الحجم المتوسط وفتحت الكومبيوتر لأكتب تدوينةً أردْتُها بمزاجٍ سعيد، فإذا بثقل الحَجْر ينهال عليَّ مثل ردمٍ وكأنه قدرُ اللحظة والمرحلة الذي لا فكاك منه، وها هو يُهيمن على هذا العبور، الذي تمنَّيتُه رشيقًا، من مطارٍ اشتقتُ إليه.

أنا الآن بانتظار طائرة مدريد. هناك سأجد من يُقلُّني بالسيارة إلى قرطبة حيث سأشارك في فعاليات ندوة دولية ينظمها معهد الدراسات الإبستمولوجية ببروكسيل بالشراكة مع جامعة إشبيلية وجامعة فيرفاكس الأمريكية حول موضوع “راهنية أسئلة النهضة العربية وسؤال المثقف الوسيط”. في الأشهر الأخيرة تلقّيتُ دعواتٍ عدّة إلى بغداد والقاهرة وبيروت وقبرص ولندن تردَّدتُ في تلبيتها جميعًا. رحلة لندن مثلًا صادفت تعليق المغرب لرحلاته مع بريطانيا إثر اكتشاف سلالة جديدة من فيروس كورونا بالمملكة المتحدة. فيما فاجأتني رحلة قبرص بمسارٍ لا يمكن احتماله. ثلاثون ساعة من التّنطُّط بين مطارات الشرق والغرب قبل أن أبلغ غايتي. حتى بيروت لم يعد بالإمكان السفر إليها مباشرة.

لا بُدّ من وساطة إسطنبول بما يقتضيه ذلك من وثائق صحية إضافية وملء استماراتٍ غريبة عجيبة على الإنترنت. كل الوجهات، اليوم، دونَها بالإضافة إلى جواز التلقيح الذي أتوفر عليه، نتيجةٌ سلبية لفحص الـ “بي سي آر” ووثائق إلكترونية مُستحدثَة يجب ملؤها قبل موعد الرحلة مع ما يُصاحِب ذلك من إدخال أرقام المراجعة وكودات التَّحقُّق. هل هي الإجراءات تعقّدَت والمسارات تشابكت ومحطّات الترانزيت تضاعفت؟ أم أنك صرتَ تخشى السفر يا جوَّاب الآفاق؟ لكنَّ الحذر واجبٌ مع ذلك. والأفضل التّريُّث إلى أن تنزاح الغُمّة وتصفو الأجواء.

الآن، أُحسُّ الوجهة قريبةً آمنة. الوضع الوبائي في إسبانيا تحت السيطرة، والمغرب يُصنِّف الجارة الشمالية ضمن بلدان القائمة “أ” ذات المخاطر الضعيفة فيما يتعلّق بانتشار السلالات المُتحوِّرة. ثم إنني أخذتُ قبل أيام فقط الجُرعة الثالثة من اللقاح المضادّ لكوفيد. كانت حقنةً في الواقع، لكن الجميع يناديها جرعة. لذا لا بأس من استئناف نشاطي الثقافي الذي ألفتُهُ في حياتي السابقة: زمن ما قبل كورونا. ثلاثُ حقناتٍ إذن أتصوَّرُها كافيةً لأستعيد جناحيَّ وأستأنف التحليق بين المطارات والعواصم غير هيّابٍ ولا متوجِّس. وإذا كان جلجامش قد ضرب في البرية باحثًا عن عشبة الخلود، فكل ما أطلبه شخصيا هو تلك الحقنة الرابعة. حقنة الثقافة التي لا غنى لي عنها ليتجدَّد الشغف داخلي وأستعيد توازني المفقود.

مرَّ بي صديق قديم وأنا بالمقهى، سلّم عليَّ وأخبرني أنّه مسافر إلى فرنسا.

عطلة أم عمل؟ بادرْتُه.

بل زيارة قصيرة لابنتي، وهي طالبةٌ هناك. زيارة من ثلاثة أيام لا أكثر، وأعود إلى مشاغلي.

لا شكّ أن تأشيرتَه قديمةٌ مثل تأشيرتي وسابقةٌ على كورونا، خمَّنْتُ. فسُلطات باريس قرَّرت تخفيض التأشيرات التي تمنحها للمغاربة إلى النصف ردًّا على تلكُّؤِ القنصليات المغربية في فرنسا في إعادة عدد من المهاجرين غير الشرعيين ممّن لا وثائق لهم إلى المغرب بدعوى أنّها ليست متأكدة من أنهم مغاربة فعلًا. فلعلَّهم من جنسيات أخرى، ومساطرُ التّحقُّق من هوياتهم طالت بشكلٍ أفقد الفرنسيين صوابهم. هكذا وجد أكثر من صديق مغربي ممن اعتادوا التردُّد على عاصمة الأنوار بسلاسةٍ في السابق طلباتِهم للحصول على التأشيرة تُجابَه بالرَّفض.

يبدو أن عملية الإركاب قد انطلقت. حسنًا، سأغلق حاسوبي وألملم أوراقي وأتوجّه إلى الطائرة.

قرطبة / 26 نوفمبر 2021

حين وصلتُ مطار مدريد بالأمس وجدت تانيا بانتظاري. استقبلتني بابتسامةٍ صادرَتْها الكِمامة، لكنني خمَّنْتُها عريضةً من تقلُّص العينين وإشراقتهما. قالت إنَّ علينا انتظار طائرة المفكّر التونسي عبد المجيد الشّرفي، وبعدها ستقودنا معًا إلى قرطبة. وكذلك كان. في المطار، ما إن شغّلتُ الإنترنت حتى فاجأني خبرُ تعليق المغرب رحلاته الجوية من فرنسا وإليها، فتذكّرتُ صديقي الذي سيُصعق، لا شكَّ، بالقرار المباغت ما إن تحطّ طائرته فوق الأراضي الفرنسية. لا شكّ أن انشغاله بتدبُّر أمر عودته سيُربك اشتياقه لاحتضان ابنته. أشفقت لحاله. تفقّدتُ هاتفي المحمول فلم أجد رقمه مخزَّنًا لديّ، مع الأسف.

الطريق من مدريد إلى قرطبة يتجاوز الأربع ساعات. قلت لتانيا إن زيارتي اليتيمة لقرطبة تعود لعقدين ويومين. زرتُها بالضبط يوم 23 فبراير من عام 2001. جئتُها من غرناطة في حافلة، وكان رفيق رحلتي يومها الشاعر اللبناني الراحل صلاح ستيتية. فأخبرني عبد المجيد الشّرفي أنَّ زيارته الأولى لقرطبة تعود لأيام فرانكو. سنة 1970 بالضبط جاءها من مدريد بالسيارة. قبل أن يصير هذا الطريق سيّارًا. كانت إسبانيا بلدا بئيسا. البنية الطُّرُقية هشّة والسفر بين المناطق الإسبانية صعب. لكنّ الشاحنات أيام فرانكو كانت تُسعِف مستعملي الطريق خصوصا من أصحاب السيارات بضوءٍ أخضر تغمز به من الخلف لتُشعِرَهم بأن الطريق سالكة والتَّجاوُزَ مُمكن. إسبانيا اليوم تغيّرت كثيرًا، والطريق إلى قرطبة هي غيرُ الطريق التي سلكها صاحب “الثورة والحداثة والإسلام” منذ أزيد من نصف قرن. لكنَّ تانيا لم تكن قد وُلِدَت بعد حين كان الشّرفي وزوجته يطوفان بلاد الأندلس بسيارة صغيرة. ثمّ إنها ليست من هنا. أخبرَتْنا تانيا أنها كرواتية، هاجرت إلى إسبانيا منذ سنوات واستقرَّت في مالقا حيث اشترت سيارة، وهي اليوم تضعُ سيارتها السوداء وخبرتَها كسائقة رهن إشارةِ مَن يحتاجها.

لكن، ونحن نلجُ قاعة المؤتمر هذا الصباح، كانت تانيا تقف بالباب مُتوثبةً مثل بادي غارد. ثمّ إذا بها توزِّعُ الميكروفون الجوّال على المتدخّلين. كان واضحًا أنهم انتدبوها سائقةً بالأساس. لكن حين تكون سيارتُها مركونةً بباب الفندق، تعرف تانيا كيف تساعد بالهِمّة ذاتِها التي كانت تنهب بها الطريق إلى مدريد ليلة أمس.

في قاعة الندوة، وقبلها على الإفطار في مطعم الفندق، عانيت الأمَرَّين وأنا أحيّي، أو بالأحرى لا أعرف كيف أحيّي، ضيوف المؤتمر وأغلبُهم أصدقاء ومعارف. طلعةُ أدونيس ظلت شبه محجوبةٍ وراء كِمامته السوداء. لم نجد طريقة لإضفاء الحرارة على لقائنا. كان عناقًا عن بُعد، ومن وراء حجاب. كان أدونيس أشدَّ ضيوف المؤتمر حرصًا على الكِمامة، قلّما يُزيلها عن وجهه، والأكثر حرصًا أيضًا على التَّباعد الجسدي مع الجميع. لذا لم أعرف كيف أحيِّيه. تبادلنا لكماتٍ صغيرة بقبضتينا ثم أطلق ضحكته الطفولية مُرحِّبًا. لم نعرف كيف نُضفي الدفء على لَكَمات التَّرحيب، لكن ضحكة أدونيس المشرقة أنقذت الموقف. لم يتجدّد لقائي بأدونيس مُذ دعَوْتُه إلى القاهرة قبل ثلاث سنوات ضيفًا على “بيت ياسين”.

لكن حبل التواصل بيننا ظل ممتدًّا خلال فترة الحجر أولًا عبر القراءة. ذاك أنني عكفتُ خلال أشهر الحَجْر الأولى ذات الوطأة على عمله الشعري الضخم والفريد “الكتاب” بأجزائه الثلاثة، إضافة إلى باقةِ مختاراته البديعة للنثر العربي منذ الجاهلية التي أصدرها في أربعة أجزاء تحت عنوان “ديوان النثر العربي”. تواصُلُنا على الواتساب لم ينقطع هو الآخر. وما إن سرَتَ بين سُكّان القارة الزرقاء إشاعة تفيد وفاة “مهيار الدمشقي” حتى واصلتُه لأطمئنّ عليه، فوجدتُه منزعجًا ليس من الخبر ولا من احتمال الغياب، ولكن من الخراب الذي طال الأرواح واستشرى حتى صار بيننا من يُطلق إشاعة كهذه على سبيل التَّلاعب المُستهتِر بمشاعر الناس أو تعبيرًا عن نزوعٍ مرضيٍّ إلى التّصفية ولو رمزيًّا بهذا الشكل. كأنَّك أعييتَ بعض خصومك الفكريين والسياسيّين وها هم يتمنَّوْن موتك يا أدونيس؟ لكنَّ أدونيس كتُراثٍ فكري وشعري لا يموت. فالرجل مستمِرٌّ فينا من خلال أفكاره وكتبه ومشروعه الشعري. قدّم لي حسن نجمي بنت أدونيس. نينار إسبر. هذه أول مرّة ألتقيها. كنتُ قرأتُ الكتاب الذي ضمّ أحاديثها مع والدها باهتمام. تقدّم منّا محمد المعزوز بقامته السامقة. كان العناق حارًّا هذه المرة. عناق أخوي لا احتراز فيه. مع واسيني الأعرج وزينب الأعوج يجب أن تكون القُبل حارَّة صائتةً لنصدِّق أنّ اللقاء قد حصل. معهما ومع أمين الزاوي -أوّل من صادفتُ فور دخولي الفندق- أشعر فعلًا أننا أبناء بلد واحد. هل لأنّهم من الغرب الجزائري؟ أم لأنّ الروح والمزاج المغاربيين أقوى من كل الحدود التي افتعلها سياسيون قصيرُو النظر بين شعبينا، بين شعبنا الواحد؟ معجب الزهراني مدير معهد العالم العربي بباريس كان هناك. محمد الأشعري. بنسالم حميش. مالك التريكي. أحمد علي الزين صاحب برنامج “روافد”. منتهى الرمحي مذيعة قناة “العربية”. برهان غليون الذي يقف على الطرف النقيض من أدونيس بسبب تعقُّد الوضع السوري، لذا كانا يتفاديان بعضهما في المجالس. المغاربة على الأقل يعرفون كيف يدبّرون اختلافاتهم. هكذا وجد سعد الدين العثماني نفسه مُحتضَنًا من طرف مواطِنيه المغاربة رغم اختلافات الفكر والسياسة، حتى أنّ محمد الأشعري نصَّبَه في لحظة مرح رئيسًا للوفد المغربي في المؤتمر. لكن الودَّ والدفء الذين سرَيَا داخل اللّمّة المغربية لم يفسدا للحوار الجادّ بيننا قضية.

فمع أن المؤتمر استعادَ سؤال النهضة المركزي في صيغته الأرسلانية القديمة “لماذا تأخَّر المسلمون وتقدَّم غيرهم؟” ليَتداول في الطريقة التي يتجدَّد بها طرحُ هذا السؤال من طرف الإنتلجنسيا العربية اليوم، إلا أننا كمغاربة عرفنا كيف نُدير دفّة النقاش لفتح سؤال النهضة على أبعاد التنمية والتقدم والتحديث انطلاقًا من التجربة المغربية. الأشعري مثلا نبَّهَنا إلى أنّ هناك في المغرب نخبة مهمة من خرّيجي كبريات المدارس والمعاهد الفرنسية تتبوّأ عددًا من المناصب العليا (وزراء / وُلاة / مدراء عامون لمؤسسات وطنية كبرى)، لكن عوض الدفع بعجلة التحديث إلى الإمام، تحوَّلت هذه النخبة إلى حُرَّاسٍ للبنية التقليدية للدولة. هكذا صاروا يشتغلون لصالح السلطة، أحيانًا ضدّ تطلعات مجتمعهم وقواه الحيّة. مفارقة الأشعري الجارحة حفَّزتني إلى التعقيب مُذكِّرًا بأن داءَ العطبِ قديم. فحتى حينما انبثقت فكرة إرسال البعثات التعليمية للدراسة والتكوين في أوروبا منتصف القرن التاسع عشر على عهد الحسن الأول صادف ذلك إرسال البعثات اليابانية التي ساهمت في بناء دولة اليابان الحديثة والقوية صناعيا واقتصاديا. فلماذا فشلنا نحن فيما نجح فيه اليابانيون؟ ربما لأنّ الهدف من إرسال بعثاتنا لم يكن تحديث المجتمع وإنما تحديث بنيات الجهاز المخزني. أيضًا، وبما أنّ المخزن يشتغل بمنطق الولاء بدل الكفاءة، اختار غالبية الطلبة من عائلات معروفة بولائها له قبل أن يكافئ هؤلاء بعد عودتهم بمناصب في دواليبه. هكذا حدَّث المخزن بِنْيتَه على حساب المجتمع. ثم ذكّرتُ بملاحظة برهان غليون الذي طرح في مداخلته بأن النهضة قرارٌ سياسي، وأكّدتُ أنّ القرار السياسي على أهميته لا يمكن فصلهُ عن عمقه الثقافي. ومشكلتنا في المغرب هي أنّ السياسة لدينا انفصلت تمامًا عن المجتمع وعن ديناميته الفكرية والثقافية، بل ونجحَتْ في فصل الأحزاب ذاتها عن عمقها الفكري وخلفيتها الثقافية. وإلّا فما معنى أن تضطلع حكومة التناوب التي قادها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بأكبر عملية خَوْصَصةٍ عرفها المغرب المعاصر، إذ على عهدها فوَّتَت الدولة العديد من مؤسساتها ومقاولاتها العمومية إلى القطاع الخاص؟ أيضًا ما معنى أن تُقْدِم الحكومة السابقة المُتشبِّعة بإيديولوجيا العروبة والإسلام على إقرار اللغة الفرنسية لتدريس المواد العلمية والتقنية، ثم على توقيع اتِّفاق التطبيع مع إسرائيل؟ هي سياساتٌ تُناقِض مرجعيات هذه الأحزاب الفكرية. بسبب هذه التناقضات قتلنا الثقافة والسياسة والمعنى ليسود منطق العبث ويتسرّب إلى المغاربة إحساسٌ مريعٌ بلا جدوى السياسة وعدم جدّيّة السياسيين.

بعد الندوة، جاءني صديق مشرقيٌّ فلسطينيُّ الهوى عروبيُّ العقيدة ليُحيِّيني عاليًا. استغربَ عدم ردِّ العثماني رغم أنّ تعريضي به كان سافرًا. شرحتُ له أنني لم أقصد التَّعريض أبدًا لا بالأشعري الذي كان وزيرًا في حكومة التناوب، ولا بالعثماني – رجل الدعوة السابق والفقيه المالكي – الذي شاء مكر الصدف أن يستقرَّ القلم المُوقِّع على اتفاق التطبيع في جيبه. فالنقاش لم يكن شخصيًّا ولا حتى حزبيًّا، وإنما هو نقاش فكري يطالُ بنية الدولة، الفاشلة حتى الآن في تأطير علاقة سوية مع شركائها في الحكم خصوصا من سياسيِّي الأحزاب الوطنية المتجذِّرة في المجتمع. دولةٌ لا تعرف كيف تغتني بالدينامية الثقافية والفكرية لمجتمع حيٍّ منفتحٍ مجبولٍ على التعدُّد. دولة منغلقة على علبتها السوداء، والصمّاء في الآن ذاته. تريد أن تبقى فوق الجميع مع أنّ البُنيان الرَّاسخ لا يستقيم من دون أعمدةٍ تشدُّه إلى أرض الناس المتحرّكة، والتي تستمدُّ صلابتها من حركتها الدائمة الدؤوبة. ما علينا. تعبنا من النقاش المتواصل منذ العاشرة صباحًا حتى المساء. الشمس تكاد تغرب ونحن محبوسون في هذه القاعة الضاجّة بالرؤى والأفكار، بالتأملات والتعقيبات. نحتاج فسحة نتصفَّحُ فيها كِتَاب المدينة؟ لحسن الحظ تنبَّهَ المنظمون إلى أنّ التعب نال منّا، فوفَّروا لنا عربات سياحية ودعَوْنا إلى جولة في المدينة العتيقة. شاءت الصدفة أن أجد نفسي مع العثماني والأشعري والمعزوز في نفس العربة. كنا متعبين بما يكفي، فلم يستأنف أيٌّ منّا نقاش القاعة الساخن. الحوذيُّ الشاب بدا متحمِّسًا وهو يشرح لنا المدينة حسب روايته. لا يعرف أنّ لنا روايَتَنا نحن أيضا لهذي البلاد. لنا سرديةٌ تخصُّنا. نُضمِرُها في أعماقنا. وإلّا فهل نحتاج هذا الحوذيَّ الشاب ذا القبعة الـ”سومبريرو” واسعة الحوافّ ليُحدِّثنا عن جامع قرطبة؟ عن ابن رشد وابن ميمون؟ عن الزهراوي وابن طفيل وابن باجة؟ عن ابن حزم وابن شهيد؟ عن ولّادة وابن زيدون؟ هل قرأت أيها الحوذي ما قال ابن بسام عن ولّادة التي “كان مجلسُها بقرطبة منتدىً لأحرارِ المَصْر، وفناؤُها ملعبًا لجياد الشعر والنثر. على أنها – سمح الله لها وتغمَّد زللها – اطَّرحَتِ التَّحصيل وأوجَدَت إلى القول فيها السبيل، بقلّة مبالاتها، ومجاهرتها بلذَّاتها.”

تذكرتُ بيتَيْ ولّادة الشهيرين:

أنا والله أصلحُ للمعالي / وأمشي مشيتي وأتيهُ تيها

أمكِّنُ عاشقي مِن صَحْنِ خدي / وأعطي قبلتي مَن يشتهيها

هل تعرف بيت ولّادة أيّها الحوذي؟ هل تدُلنا على المكان الذي كانت وابنَ زيدون يسهران به يكرعان كؤوس الرّاح ومغنيتُهما “عتبة” تصاحبهما بالإنشاد حتى الصباح، “فلما انفصلتُ عنها صباحًا – يحكي ابن زيدون – أنشدتُها ارتياحًا:

ودَّع الحبَّ مُحبٌّ ودّعَكْ / ذائعٌ من سرِّه ما استودعَكْ

يقرعُ السِّنَّ على أن لم يكُن / زادَ في تلك الخُطى إذ شيَّعكْ

يا أخا البدر سناءً وسنًا / حفِظ الله زمانًا أطْلعَكْ

إنْ يطُل بَعدَك ليلي فَلكَمْ / بِتُّ أشكو قِصَر الليلِ معكْ

كان ليلُ نوفمبر البارد قد بدأ يحتلُّ خُلسَتَنا الأندلسية. أحسستُ البرد يتسلّل إلى عظامي. لكن هواء قرطبة نظيفٌ. كنّا قد انعطفنا للتَّو عبر زقاق ضيّق حين افتضَّ هدأتنا اللطيفة تلك سعيٌ لاهثٌ – سرعان ما تحوَّل إلى عَدْوٍ – لشخصٍ يهتف من الخلف باسم العثماني: “السي العثماني، السي العثماني. تبارك الله على السي العثماني”. التفتتُ فألفيتُه شابًّا مغربيًّا يُشهِر هاتفه ويحاول بصعوبةٍ التقاط “سيلفي” معنا، مع العثماني، دون إذنٍ لا من الحوذي ولا من فرسيه الذين لم يتوقَّفا عن خبَبِهما الفخم المُتمهِّل. ثم مرَّ عابرٌ آخر فنادى العثماني محيِّيًا. ثم استوقفنا ثالثٌ ونحن ننزل من العربة. كان حديثه شيّقًا، حيث بدا الرجل عارفًا بأسرار المدينة وخرائطها السرية. كان رئيسُ الحكومة السابق يبادل مغاربة قرطبة التحية ويُشهر في وجوههم ابتسامته السَّمحة. لكن الأشعري بروح الدّعابة التي لا تفارقه نبَّه العثماني إلى أهمية التقاط هذه المُؤشِّرات مضيفًا: “ربما السي العثماني عليك تحضير نفسك للترشُّح هنا في قرطبة في الانتخابات المقبلة. قد يكون ذلك أفضل لك ولحزبك.” فانفجرنا ضاحكين.

في طريق العودة إلى الفندق سيرًا على الأقدام استوقفَنا تمثالُ ابن رشد. انتصَبْنا إلى جانبه نلتقط الصور. بحثتُ عبثًا عن بنسالم حميش. ما إن نزل من عربته حتى شرد عنّا. كنت أريد أن التقط له صورةً مع صاحب “فصل المقال”، فقد سألني عن موقع تمثاله في الصباح. لِمَ لا نقيم لابن رشد تمثالا هناك في مراكش؟ ألم يقض الرجل بالبلاط المراكشي سنواتٍ عددًا طبيبًا خاصًّا لأبي يعقوب يوسف؟ وحين تولّى ابنه يعقوب المنصور الموحدي الحُكم بعده زادت مكانة أبي الوليد في عهده. لكن ما إن تحلَّق حول السلطان لفيفٌ من التلاميذ المتزمِّتين المتشبعين بفكر ابن تومرت المنغلق – أًطْلِق عليهم أيامها لقب “الطّلْبَه” – حتى كادُوا للرَّجل. هكذا أوغر “طالبان” ذلك الزمان قلب المنصور على طبيبه الفيلسوف فأحرق كُتبه ونبذه لفترة قبل أن يعفو عنه ويقرِّبهُ من جديد. وظل ابن رشد قريبًا من يعقوب المنصور قربًا مشوبًا بالحذر حتى وافتْهُ المَنِية بعاصمة الموحدين سنة 1198م.

لكن، لِمَ لا ننصب للرجل تمثالا بيننا هناك، في مراكش؟

تذكّرتُ دعوة بنسالم حمّيش قبل سنوات إلى نصب تماثيل في الساحات العمومية بالمملكة لتخليد بعض رموز التاريخ المغربي. كان حمّيش يحاجِجُ بالتماثيل التي تملأ الرحب في ميادين مختلف العواصم الإسلامية: من الجزائر إلى تونس إلى طرابلس فالقاهرة وبيروت ودمشق وبغداد، ومن إسطنبول حتى جاكَرتا. فهل المغرب أكثر انغلاقا من هذه البلدان ليحرِّم ما أحلَّته سلطاتها وعمداء مدنها؟ لكن الشيخ عبد الباري الزمزمي سيتصدّى لحمّيش بانفعال يومئذ، وردَّ عليه قائلًا إنّ “إقامة التماثيل حرامٌ قطعًا في الشريعة تحت أيّ مبرِّر كان”، موضّحا أنّ “الحكمة من وراء هذا التحريم تكمن في مبدأ سدِّ الذَّرائع”، مشيرا إلى أنّ “الذريعة تتجسَّدُ في الخشية من تحوُّل تلك التماثيل إلى أوثان تُعبَد من دون الله”.

كان سعد الدين العثماني ومحمد المعزوز غير بعيدين عنّي، لذا ما إن طلبتُ من الصديق معجب الزهراني أن يلتقط لي صورة مع ابن رشد حتى التحقا بالصورة. ها قد التقطنا صورة للذكرى مع أبي الوليد ولم يُشرِك أيٌّ منّا أيها الفقيهُ النَّوازلي ولا حوّلْنَا نصب صاحب “فصل المقال” إلى وثنٍ عبَدْناه؟

بعد عودتنا إلى الفندق، وجدت بنسالم حمّيش قد سبقنا إلى المطعم، كنت أريد أن أخبره بعثورنا على تمثال ابن رشد والتقاطِنا صورًا إلى جانبه. كِدْتُ أسأله أيضًا لماذا أرجأ إطلاق دعوته الجريئة بنصب تماثيل لرموز النبوغ المغربي في الساحات العامّة لِمَا بعد مغادرتِه وزارة الثقافة؟ أما كان أجدر به لو بادر إلى إطلاق الفكرة بل والسَّعي إلى تحقيقها في الفترة التي كان يمارس فيها السلطة التنفيذية كوزير؟ حينها كان الفعلُ سيصاحب القول والمنصبُ سيسنُد المطلب. لكنني لم أشأ إزعاجه. كان حمّيش قد حجز مكانا إلى جانب واسيني وزينب. التحقنا به أنا والمعزوز، وبدأت سهرتُنا. دخلنا في سباق أندلسي. كنا نحن نغنّي بعضًا من رصيدنا الأندلسي المغربي، فيردّ علينا واسيني وزينب ومعهما المخرج محمد الزاوي بمقطوعات جزائرية. اكتشفنا أنّ الأندلس متجذرة في صميم وجداننا المغاربي المشترك. همستُ لواسيني: “يبدو أن قدرنا غريب يا صديقي. تفرِّقُنا بلداننا وتوحِّدنا الأندلس”.
توحِّدُنا وتجمعنا تمامًا كما يحضنُ الفردوس الأخيار جزاءَ تعاليهم على صغائر الدار الفانية. فتذكرتُ أبيات ابن خفاجة:

يا أهل أندلُسٍ لله درُّكُمُ / ماءٌ وظلٌّ وأنهارٌ وأشجارُ

ما جنّةُ الخُلدِ إلا في دياركُمُ / وهذه كنتُ لو خُيِّرتُ أختارُ

لا تتّقوا بعدها أن تدخُلوا سقرًا / فليس تُدخَلُ بعد الجنّة النّارُ

لشبونة / 29 نوفمبر 2021

ماذا تفعل هنا في مطار لشبونة؟ كأنّك في المكان الغلط. عمومًا، أنا في البرتغال بالصدفة فقط. وبسبب سوء الحظ. بالأمس غادر الوفد المغربي قرطبة برًّا باتجاه مالقا ومنها إلى مطار محمد الخامس بالدار البيضاء. فيما تخلَّفتُ لأنَّني أحببتُ أن ينالني من أول سفرٍ قادني خارج الحدود خلال هذه الحقبة الكورونية يومٌ للراحة والاستجمام وزيارة “الزهراء” التي فاتني الحجُّ إليها في رحلتي الأولى إلى قرطبة قبل عشرين عامًا. لكنَّ أموري مرتّبةٌ تمامًا. أو هكذا كنتُ أظن. فرحلةُ عودتي محجوزةٌ مع “رايان إير”، حيث ستُحلِّقُ بي طائرة الإياب من مطار أدولفو سواريز بمدريد على الساعة العاشرة و25 دقيقة ليلا من يومه الاثنين 29 نوفمبر على أن تبلغ مطار المنارة بمراكش نصفَ ساعةٍ بعد منتصف الليل.

قضيت صبيحة الأحد (28 نوفمبر) في التجوال رفقة ثُلّة من الأصدقاء من ضيوف المؤتمر ما بين الرّبع اليهودي والوادي الكبير والقنطرة الرومانية قبل أن نعود إلى جامع قرطبة. ما إن ولجنا المسجد حتى توجَّهْنا، واسيني وزينب وأنا، باتجاه صحن النّارنج. قطفتُ حبَّة نارنج، عالجْتُ القشرة أفصلُها عن الفصوص التي توزَّعتُها ورفيقاي ليتذوّقاها معي. كان طعمُها مُرًّا لاسعًا، إنّما منعشًا. والحقيقة أنّ نارنج قرطبة لا يختلفُ كثيرًا عن زنبوع مرَّاكش. ما إن توسّطْنَا صحن الجامع حتى بدأت الأجراس تُقرَع إيذانًا بميقات الصلاة المسيحية. رفعتُ عينَيَّ نحو مصدر الرّنين. هناك في أقصى الصحن جهة الشمال تنتصبُ المئذنة العظيمة التي انهار جزء كبير منها فبُنِيَ محلَّها برجُ الجرس. كنيسة “القدّيس فنسنت”، التي اشتراها عبد الرحمان الداخل سنة 785 م وأمر بتحويلها إلى مسجد ثم عكفَ حُكّام قرطبة عليها بأشغال التًّوسِعة والتّزيين على امتداد قرنين ونصف، عادت إلى أصلها ولعلَّها اليوم من أفخم كاتدرائيات الأندلس. الأجراس تُقرَع زوالًا ولا مؤذِّن هناك ينادي لصلاة الظهر حسب توقيت قرطبة والزهراء وما جاورهما. رغم البرد، كانت شمسُ الظهيرة شرِسَةً. عُدنا إلى الفندق لالتقاط الأنفاس وتناوُل الغداء. بالبهوِ التقيتُ محمد ظهيري الأستاذ بجامعة كومبلوتينسي العريقة بمدريد.

قبل مدريد، عاش ظهيري سنوات بقرطبة ودرَّس في جامعتها وكان مسؤولًا بمُحافظة المدينة، بل لعله أولُ مسؤول حكومي من أصل أجبني تُسنَد إليه مسؤولية سامية في كل إسبانيا منذ أول انتخاباتٍ ديمقراطية عرفَتْها البلاد سنة 1977، سنةً ونصف بعد وفاة الجنرال فرانكو. لكن قبل هذا وذاك ظهيري رفيق قديم، من خرّيجي جامعة القاضي عياض بمراكش. جمعتنا حلقاتُ الاتحاد الوطني لطلبة المغرب وتظاهراتُه واعتصاماته في بداية التسعينيات. حتى أنه فاجأني باحتفاظه في ذاكرة موبايله بصُور قديمة تجمعنا معًا. كنّا رفقة أخي طه محشورين وسط رفاق آخرين تفرّقت بهم سُبُل العيش ومسارات النضال. كلّما التقيت ظهيري في صالة المؤتمر أو ردهات الفندق كنت أشاغبه: أينك أيها الظاهري القرطبي الأندلسي؟ مُلَمِّحًا إلى ابن حزم. لكنهُ مَن بادَرني، هذه المرة، ما إن لمحني ببهو الفندق: صديقي، علينا اليوم أن نختار مطعمنا بعناية.

وكان الظاهريُّ القرطبيُّ على حقّ. فقد سبق للمنظمين أن اقترحوا علينا مطعما مغربيا وجدناه لطيفًا من حيث جاذبية شكله وحُسن تأثيثه، لكنْ أحبَطَنا ما قدَّموه لنا من أطباق مُلفَّقة، جمعوا لنا فيها ما يتفرّق عادةً في الموائد المغربية. هكذا تجاورت الحريرة مع الزَّعلوك والشكشوكة، واللحمُ بالبرقوق مع الدجاجِ بالليمون، دون أن يُفلِحوا في الإتيانِ بمذاقٍ كذاك الذي خلَّفناه وراءنا في بيوتنا وفي مطاعم البلد. لذا تركتُ لظهيري أن يقترح علينا وجهةً، فاختار مطعم Casa Rubio أو “بيت الأشقر” الذي كان قد أقام لسنواتٍ بجواره، وهو مطعم عريق يعود تأسيسه إلى سنة 1920. هناك قدّموا لنا أطباقًا أندلسية أصيلة، بدءًا بسلَطة الطماطم الطّرية المطحونة مع الثوم والمُنكَّهة بزيت الزيتون، إلى شرائح الباذنجان بالعسل المقلية المُقَرمشة المرشوشة بالسّمسم الأثيرة لدى ملوك الأندلس وأمرائها، وانتهاءً بطبق ذيل الثور الشعبي الشهيّ، لكن العصيّ على المعدة الضعيفة أو المُستأنِسة بالأكل الخفيف المُرَفَّه. كان معنا في المطعم الزَّاوِيَان الجزائريان، أمين ومحمد، والباحثة المغربية بمعهد الدراسات الإبستمولوجية بأوروبا الدكتورة نعيمة داودي إضافة إلى مدير المعهد صديقنا الموريتاني الدكتور بدّي المرابطي.

أتيتُ على سلَطة الطماطم والباذنجان بشهية مفتوحة. لكن ما إن تناولتُ لقمتين من ذيل الثور حتى رنَّ هاتفي يُشعِرُ بميسّاجٍ على الواتساب. كانت رسالةً توصَّل بها كَروب الأسرة، يبدو أنني المعنيُّ المُباشِر بها: “قرّرتِ السلطات المغربية تعليق جميع الرّحلات المباشرة للمسافرين في اتّجاه المملكة المغربية، لمدة أسبوعين، ابتداءً من يوم غد الاثنين 29 نوفمبر 2021 على الساعة الحادية عشرة ليلا و59 دقيقة.” كان البلاغ صاعقا. صحيح أنّ متحوِّر أوميكرون بدأ يُثير قلقَ العالم أجمع، خصوصًا في أوروبا، لكنَّ تدابير مواجهته تُتَّخذ من طرف الحكومات الأوروبية، بناءً على تقارير اللجان الطبيّة، بتدرُّج وبمنطقِ التَّعايُش الحذِرِ مع الفيروس ومتحوِّراته. التدابير الذكية صعبة دائما، وتحتاج رؤية شمولية للمجتمع والاقتصاد، أمّا القرارات المُرتبكة المُتشنِّجة – مهما تنكَّرَتْ وراء أقنعة الصرامة والحزم – فهي تعكسُ فقط تخبُّط أصحابها وضعف حيلتهم وهوانَ المواطنين عليهم. أم لعلَّ هناك من يتلذّذ باتخاذ هذه القرارات الفجائية العجيبة ليختبر قدرته على التَّحكم والسيطرة؟ كأنَّ هناك من يتلاعبُ بنا؟ عشرون شهرًا قضيناها في كنف هذا الوباء، انصعْتُ فيها شخصيًّا برضىً وتسليم لكلّ قرارات الحجر والإغلاق. استجبتُ للتلقيح عن قناعة. أخذت حُقنتي الأولى فالثانية ثم الثالثة المُعزِّزة. كلّ هذا في إطار التفاعل الإيجابي مع حكومة أرى أن من حقِّها – بل من واجبها – أن تسهر على الصحة العمومية وتحمي مواطنيها. لكنني الآن أشعر بالخِذلان. أحسُّ أنّ هناك من يتلاعب بنا في الخفاء.

كان البلاغ صاعقا فعلا. لكأنَّما عظامُ ذيل الثور انْجَبرَت فتماسَكَت إلى بعضها وهي رميم، وإذا بالذيل يهتزُّ ويتمايلُ أمامي في شماتة. وجدْتُني عاجزًا عن مواصلة الأكل. أشْعَرْتُ جُلّاسي بالخبر الطارئ ثم سألتُهُم: ما العمل؟ لم يكن المسؤولون بأعلم من السائل. بُهتنا جميعًا وارتُجَّ علينا. أنا الذي كنت أمنِّي النفس برحلةٍ – بعد الغداء مباشرةً – إلى “الزهراء” مدينة الخليفة عبد الرحمان الناصر التي لا تبعد عن قرطبة إلا بسبع كيلومترات، على أن أستأنف تجوالي في قرطبة صباح الغد قبل أن أستقلَّ القطار إلى مدريد لأحلِّق منها باتجاه مراكش. لكن طائرتي ستحطُّ بمطار مراكش المنارة نصفَ ساعةٍ بعد منتصف الليل، فيما بلاغُ السلطات المغربية يحكي عن تعليق الرحلات الجوية دقيقةً قبل منتصف الليل. فهل أترُك برنامجي على حاله وأواصل سياحتي بالأندلس على أمل أن تتسامح السلطات المغربية مع طائرتنا التي ستحطُّ متأخرة بـ 30 دقيقة فقط عن موعد الإغلاق المُعلَن عنه في البلاغ؟

هذا السؤال طرحتُه عبر الواتساب وعبر الإيميل على أكثر من مُفْتٍ من العارفين والضَّالعين ومن يُشتَبَه في أنّهم من النافذين بالديار المغربية، فتعدَّدت الآراء وتباينت الاستشارات وتناقضت الفتاوى. فمِن قائلٍ إنّ موعدَ الإغلاق المُعلنَ عنه يعني الطائرات المغادرة للمغرب، أمّا القادمة إليه فسيتمُّ التَّساهل معها دون شك. ومِن مُنبِّهٍ إلى أنّ طائرة “رايان إير” لن تُجازف أصلًا بالإقلاع من مطار مدريد لذا عليَّ التصرُّف من الآن والبحث عن بديل لتلك الرحلة قبل فوات الأوان. ثم حصحص الحقُّ أخيرًا حين أنْبَأني صديقٌ عن زوجته عن زوج شقيقتها الكبرى الذي يشتغل في المكتب الوطني للمطارات بأنَّ مطارات المملكة الشريفة ستُطفِئ أنوارها وتغلِّق أجواءها في الموعد الذي يتحدّث عنه البلاغ الحكومي بالضبط، وبه وجب الإعلام والسلام.

راحت عليك “الزهراء” إذن أيها الأندلسيُّ بالفطرة. فعليه العَوَضُ ومنه العوض. حتى طبق ذيل الثور انسدَّت شهيتي عنه، فعُدت إلى الفندق أجرجر أذيالًا استعاريةً لا مطهيَّةً ولا مشويَّةً تُسمِّيها القواميس “أذيال الخيبة”. وهناك بدأ ماراتون البحث عن رحلةِ عودةٍ تجعلني أفلتُ من وضع العالقِ الذي عاشه أكثر من صديق لي أثناء الحَجْرِ الكوروني الأوّل وخرجوا منه بندوب عميقة في الروح وكُفرٍ بَواحٍ بالوطن ومؤسساته. أيّامها، أرْغَت جوقة الكورال الإعلامي وأزْبَدت، تضامنَتْ طبعًا مع العالقين، لكنها ما فتِئَت تُلصق الأمر بسوء تدبير العثماني وحكومته. بالأمس فقط كان الرجل هنا بيننا ولم يَبْدُ عليه أنه على عِلْمٍ بما كان يُرتَّب. طبعًا، صار العثماني اليوم خارج دوائر السلطة. لكنْ أخشى أنه لم يكن يعلم حتى وهو على رأس الحكومة. لكنَّ التخبُّط والارتجال والقرارات المزاجية المتشنِّجة ظلَّت جميعُها تُلصَق به. فهل من كبش فداء بدلَهُ اليوم أم لم تعد هناك حاجةٌ أصلًا لا إلى قرابين ولا إلى شمّاعات بعدما “خلا لكِ الجوُّ فَبِيضي واصفري”؟

توزَّعْنا في كتائبِ بحثٍ عن مسارٍ يُعيدني إلى الديار قبل أن تُغلق البلاد سماها: أنا من جهتي، المنظمون من جهتهم، طه في بروكسل، الأسرة في مراكش. كان واضحًا أنّ مغاربةً بالمئات منخرطون في نفس البحث اللَّاهث عن حجوزات سريعة في آخر لحظة. والنتيجة أن السِّيستم صار ثقيلا ولم يعد يستجيب إلَّا ليصدمنا بأنّ الرحلات نحو المغرب تمتلئ في دقائق فيما ترتفع الأسعار بسرعة مجنونة. ثم عثر المنظمون فجأةً على مقعدٍ شاغر في رحلة عبر مالقا. اتصلوا ليستشيروني بشأنها فأعطيتُهم موافقتي فورًا. لكنَّ الدقيقة التي استغرقَتْها الاستشارة كانت كافية لتُعلَنَ الطائرةُ حافِلةً وتُغلق في وجهي. وأخيرًا، بعد ساعات من خبْطِ الأعشى وسط الخرائط الإلكترونية لمواعيد الرحلات الجوية من أوروبا إلى المغرب خلال الـ24 ساعة المقبلة، عثرنا على رحلة من مطار إشبيلية إلى مراكش، إنّما عبر لشبونة.

كان عليَّ أن أغادر قرطبة من فوري. الظاهر أنّ استغراقي في البحث الإلكتروني عن طائرةٍ وبطاقة سفر نهبَ من يومي عصْرَهُ قبل أن يغْصَب عشِيَّتي الأندلسية. كان الظلام قد استفحل بالخارج، وأمامي قطارٌ أخير باتجاه إشبيلية. لملمتُ حوائجي على عجل وغادرتُ باتجاه محطّة القطار. غادر القطار قرطبة على الساعة العاشرة و45 دقيقة. قبيل منتصف الليل بقليل كنت في إشبيلية. أخذتُ طريقي إلى المطار عبر حافلة كانت مركونةً بباب المحطّة. صعدتُها فانطلقَتْ فورًا وكأنّها تاكسي. كنتُ راكبَها الوحيد. فهمتُ من السائق أنّها الأخيرة هذه الليلة. لي غرفة في فندق خمس نجوم في قرطبة، لكن مَن يُوصلني إلى إشبيلية فجرًا؟ لم أكن مستعدًّا للمُجازفة بهذه الرحلة الثمينة التي انتزعتُها من السِّيستم الثقيل بشقِّ الأنفس. لذا غادرتُ إلى إشبيلية وفضّلت أن أنتظر طائرة الفجر في مطارها، هذا أسلمُ وأضمن. المصيبة هي أنّ المطار سرعان ما دخل في حالةٍ من الهدوء المُريب القاتل، ثم بدأ البرد يتسلّل إلى مسامِّي وروحي. تبًّا، الظاهر أنهم يغلقون مُكيّفات المطار ليلًا. هكذا نهشني البرد نهشا، فتذكرتُ ليلةً قديمة لي قضيتُها محاصَرًا في قمة جبل تيشكا بعدما أُغلِقَت طريق ورززات في وجه مستعمليها بسبب التَّساقط الكثيف للثلوج.

ولأنني من النوع الذي يُخاصِم النومُ جفونَه إذا ما قرصه الجوع أو نهشه البرد، باتَتْ ليلتي ناصعة البياض. صباحًا، ما إن حطَّت الطائرة بمطار لشبونة، حتى تنفّستُ الصعداء. قلت في نفسي: هي خطوة واحدة وأنفذُ بجلدي من هذا الكابوس.

لكن، ما كلُّ ما يتمنّى المرء يدركُه. فرياح الجائحة تجري بما لا تشتهي السفن والطائرات.

انتظرتُ في الطابور راضيًا غير متبرِّم. ولمَّا حان دوري لصعود طائرة مراكش أوقفتني موظفة شركة الطيران البرتغالية وبطاقتي وجوازُ سفري بين يديها:

فحص الـ “بي سي آر” من فضلك؟

أنا قادم من إسبانيا. لا أحتاج هذا الفحص.

لكنك في البرتغال الآن. المغرب يُدرج البلد ضمن القائمة “باء”. لذا لا يمكنك ركوب الطائرة ما لم تُدْلِ بنتيجة سلبية لفحص البي سي آر.

إنّما من فضلك، قاطعتُها مذهولًا، أنا مسافرٌ من إسبانيا إلى المغرب. ولا علاقة لي بالبرتغال خارج ترانزيت الصُّدفة المُرتجَل هذا الذي قادني إلى مطار لشبونة. والأجواء المغربية ستُغلَق في وجوهنا بعد ساعات. لذا من فضلك…

من فضلك أنت سيّدي، التعليمات واضحة ويُؤسفني ألّا مجال أمامي للتَّفاوُض بشأنها. آسفة حقًّا.

هكذا حلَّقت الطائرة البرتغالية باتجاه مراكش من دوني، لأجد نفسي عالقًا في مطارٍ لم يسبق لي المرور به، في بلدٍ لم تسبق لي زيارته.

جَزِعًا، توجهتُ إلى مكتب الشركة البرتغالية. كان الأمر بالنسبة لهم محسومًا. أنا المخطئ وعليَّ تحمُّل مسؤولية تهاوُني. كيف أشرح لهم أنني في غمرةِ البحث عن رحلة عودةٍ سريعةٍ نسيتُ تفاصيل التصنيفات الوبائية للدول؟ من فرط جزعي، فقدْتُ حاسّة التمييز بين الدول الصفراء والبرتقالية والحمراء. ولم أعد أتبيَّنُ الفرق بين المجموعات ألف وباء وجيم… فكل ما كان يشغلني هو الهروب من هذا الجحيم… وإيجاد خطِّ رحلة يُعيدني إلى البلد قبل منتصف ليلة الاثنين.

لحسن الحظ، كانت هناك طائرة أخرى ستتوجّه إلى مراكش بعد الظهر، لكن عليَّ أن أدفع 90 أورو ذعيرةً. دفعتُها بلا جدالٍ لأؤمِّن بطاقتي، ثم ذهبتُ لإجراء فحص الـ “بي سي آر”. إنما أين؟ حتى موظفو المطار لا يعرفون مكان الفحص. بعد طول تطوافٍ في جنبات المطار اكتشفتُ أنّ المركز الصّحي موجود في طابق أعلى من الطابقين الذيْنِ بحثتُ فيهما. كان مقذوفًا إلى ركن قصيٍّ من طابق مهجورٍ تمامًا. لم يكن هناك أحدٌ يتحرّك في هذا الطابق الموحش. أمّا المركز فمُغلَق، على بابه عُلِّقت ورقةٌ خُطَّ عليها رقمٌ هاتفيّ. حدستُ أنّه هناك للاتصال في حال الضرورة.

جرَّبت الاتصال عبثًا: مرّة. مرّتين. الوقت يمرُّ وأنا أرى الطائرة الموالية ستضيع مني كسابقتها.

يقولون الثالثة ثابتة، لكنّها ليست كذلك في البرتغال. فقط في المحاولة الخامسة، نبضَتْ “ألو” نسائية مُتثاقلة على الطرف الآخر. قدّمتُ نفسي وشرحتُ وضعي. طلبَتْ مني صاحبة الـ”ألو” المتمهِّلة الانتظار. وبعد خمس دقائق بدا طيف شابتين انتهيتا للتوِّ من صعود السلالم. أمامهما خمس دقائق أخرى لتقطعا هذا الممرّ الطويل. لكنني استبشرتُ خيرًا. يبدو أنهما عامِلَتا الصحّة المُكلَّفتان بالمركز.

قالت أصغرهما إنّ المبلغ الواجب دفعُه، ما دام الأمر يتعلق بفحص مستعجل، 145 أورو، سدَّدتُها نقدًا مِن فوري. بعدها أخذت مني المعلومات الشخصية: رقم جواز السفر، رقم الهاتف، الإيميل، ورقم الرّحلة، ثم أخبرتني أنَّني سأتلقّى النتيجة على بريدي الإلكتروني. شكرتُهما وعُدت إلى مكاني قرب بوابة الإركاب.

الانتظار ثقيلٌ في العادة، لكن ما بالهُ اليومَ عنيفٌ مُدمِّرٌ للأعصاب؟ جرَّبت الاتصال بالرقم الذي أجابني أوّل مرَّةٍ لكنّه باءَ بالخرَس من جديد. لم أفكّر في العودة إلى المصحة، ليس فقط لأنها في أقصى المطار ودُونَها إجراءات التفتيش، ولكن أيضًا لأنني قد أتجشّم كل هذا العناء ولا أجد الممرّضتين في ذلك المبنى الصغير المُرتجَل المشغول من خشب بلاستيكي. كان هناك مقهى قرب بوّابة الإركاب. تهالكتُ فوق طاولةٍ اخترتُها بعناية لقُربها من أحد المَقابِس الكهربائية. أخذتُ مشروبًا طفقتُ أترشَّفُهُ وأنا مشدود بتوتُّرٍ إلى شاشة موبايلي المشدود بدوره إلى المقبس. فبطاريته، مثل بطاريتي تمامًا، في حاجةٍ إلى شحنٍ فوري. بدأ الركاب يصعدون تباعًا. وأنا في حالة ضيق لا يُصدَّق.

ثم فجأة، تمامًا كما في مباريات كرة القدم حين يأتي هدف الخلاص في الوقت الميّت، استقرَّت في بريدي الإلكتروني نتيجة الفحص. كانت Nao detectavel ما يعني أنها neqativa. لم أحتج مترجمًا عن البرتغالية لأفهم أن “نيكاتيفا” تعني: Negative. Négatif. Negativo. أمامي دقائق قليلة قبل إقفال البوابة. لكن على شاشتي الآن تلمَعُ وثيقة تُلحِقُني بالفئة النّاجية.

“السَّفر قطعة من العذاب”، تذكرتُ الحديث النبوي الذي فقدَ في وجداننا معناهُ لأننا لم نعُد نسلك طُرق القوافل ولا واصَلْنا قطعَ الصحاري والوديان على ظهور المطايا من الدّوابّ. لكن يبدو أنّ الطاغية الجبار الحاكم بأمره كوفيد التاسع عشر جاء ليحرم البشرية من كلّ ما راكمَتْه من أسباب السفر التَّرِفِ المُرفَّه. ويكفي أن تتواطأ مع هذا الفيروس الظالم سلطاتٌ متشنّجةٌ لا تتورّع في اتخاذ قرارات طائشة ليُعيدا السفرَ سيرَتَه الأولى: قطعة من العذاب.

حين أقلعت الطائرة البرتغالية أخيرًا، تحسستُ جسدي وأطرافي. تأكّدتُ من أنني على متْنِها كاملًا غير منقوص. ثم أنشدت في سرّي بيت امرئ القيس:
وَقَد طَوَّفتُ في الآفاقِ حَتّى / رَضيتُ مِنَ الغَنيمَةِ بِالإِيابِ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *