هن بأسماء كثيرة ، هن بأعمار مختلفة ، شابات ، نساء في منتصف العمر وسيدات طاعنات في السن ، بعضهن جميلات بدينات ، وبعضهن نحيفات حد الاختفاء ، بعضهن طويلات وأخريات قصيرات ، هن بائعات “لمسمن” بابن جرير وخادمات المقاهي على طول شارع محمد الخامس . وبالمقاهي المختبئة وراء ذلك الشارع العابر إلى مراكش والى البيضاء كذلك ، ترى كيف جئن إلى هناك ؟ ومن أوصلهن ؟ وكيف يشتغلن ؟ وقبل ذلك من هن ؟
لم نقترب كثيرا إليهن جميعا بل اكتفين بعينات حتى موعد أخر وتقصيا أكثر ، المسألة ليس لداعي لا يفهم ولكن لأن الصيف حل ، ولأن شهر غشت شهر انتعاش المقاهي على ذلك الشارع المقصود بالتحقيق ، وبتالي وحتى تستطيع تلك السيدات الخدمة بلا غضب من رب المقهى كان لا بد من إرجاء التحقيق إلى مناسبة أخرى .
(مي حليمة ) هي سيدة في عمر الستين عاما ، تشتغل منذ سنوات بشارع محمد الخامس ، تحكي عن البدايات ، عن امتهان بيع لمسن وخدمة المقاهي ، وعن فاجعة موت زوجها المعيل الوحيد للأسرة منذ عشر سنوات ، الذي حول شبابها إلى مشيب قبل أوانه ، مي حليمة لم تكن يوما تتصور أن يدق ناقوس الخطر بابها ، غادرت الخميسات مسقط رأس زوجها ، ولأن أرض الله واسعة حين يغلب الخلق ،والأرزاق تكتب أين ماشاء لها ربها ، عبرت من مدينة سلا ومن تم الرباط انحدارا إلى البيضاء ، أخرجت من نفسها مخزون المطبخ “الثقافة” أو أخر ما يبقى مع الإنسان كما قال ” كانط ” ، تحكي بأن أول شيء فكرت فيه الاعتماد على نفسها من أجل قوت أطفالها الأربعة ، من الخميسات خرجت حينما لم تعد تستطيع أداء واجب الكراء و أمور تدخل في مدوامة ” العيش ” حتى تتفادى الموت المحقق ، من الرباط وسلا والبيضاء تدحرجت لصعوبة العيش في كل تلك المدن ، مقام بأشهر هنا وبيت يأويها ويأوي أبنائها هناك ،ولأن الذليل موجود في كل الأزمان وفاعلو الخير ينتشرون على كل الدنيا ، دلوها على ابن جرير ، فحلت هنا ، ووجدت ضالتها في شارع محمد الخامس في بيئة لا تتطلب كثيرا يومها ، فساعدها الله كما تروي بنفسها على تقويم حياة أبنائها من الخصاص الذي أنهكها منذ موت والدهم وانعدام المعيل ، زاد البطن والمبيت ومجابهة مرض أبنائها ، اتعب جسدها كثيرا في دنيا الرجال والمال وفي دنيا لا رحيم سوى الله .
لا تزال تشتغل هذه السيدة في خريف العمر ، لم تجرب الزواج بعد بعلها ، أعدمت شبابها ، وأعدمت أنوثتها ، ونسيت في زمن أنها تستطيع النهوض من جديد ، فلذات كبدها غطيا عنها رغبة المحاولة كما روت ، و الآن كبر الأبناء وصاروا كما لم تتمنى ، ولكن هم اليوم كما تمنت بعد ضياع كل شيء ، أصبحوا يمتهنون بيع الخضر وبناتها زوجتهم ، واستطاعت امتلاك مسكن بلا مال أو دعم من الدولة ، وبلا مال للمبادرة ،وبلا أي درهم من دولة الدستور ومن دستور الدولة .
نسوق حالات معزولة وما قد يخفي في حكايات العشرات من النساء سيكون أعظم ، فاطمة في السادسة والثلاثون طلقها زوجها بعد صراع مرير معه ، عنف بيتي تسبقه خمرة وهزائم لعبة” تيرسي ” المتكررة ، تترجمها أدبيات عودته من موقف ابن جرير حينما كان متزوجان ، عودته صفرا إلى البيت تشعل فتيل المغامرة ببيت ، فيما الزوجة صابرة كما حكت ، جوع وموت ومرض ولا من يداري ، رجل وقح أمنه شيطانه بالفوز يوما في لعبة “التيرسي” ولكنه لم يربح ، حلم كثيرا بين يدي أطفاله كما تحكي وصدقت مرات هي الحلم نفسه ، ووعدها دائما ببيت كبير وسيارة وسفر لكل العالم ، لكن الوضع كان يزداد سوءا ، بيت هو أخر ممتلكات الزوج بعد اقتسام إرث والده الهالك ، ودراهم معدودة يصرفها على حاله ، وفاطمة تذوب ويذوب جمالها ، وفجأة يشتد الطرح وتغادر بيت الزوجية ، وتضطر لطلب الطلاق من زوج يمارس التنفيس عن هزائم خيله وكلابه بضربه وأبنائها ، فتغادر بيته إلى بيت الأهل خارج ابن جرير ، و لكن ” الخبز صعيب ” تعود أدراجها للشغل ، للشغل بالمقاهي أخر منازل الكرامة في بيئة لا تكرم النساء ، تنظيف الأواني وغسلها جيدا والاهتمام بطلبات أصحاب المقهى هو ديدنها كل يوم ، تعب وتحرش ومزيد من الإرهاق وانتظار فجر تحلم فيه بموسم فرج عند الله هو ترنيمة النساء إطلاقا كما تروي ، تحكي أن الاشتغال لا يخلو من انتهاك حرمة امرأة مطلقة تثير شهية الرجال وفضولهم ، ولطالما أحب المستذئبون تلك المرأة التي لتوها خرجت من عنق زوج ، جربت فاطمة الشغل على امتداد خط طرقي بين مقاهي صخور الرحامنة وسيدي بوعثمان ومراكش ، و جربت العودة إلى ابن جرير كل مساء للمبيت بين أبنائها ، هي اليوم هنا مرابطة باستماتة بفضل إيمانها بأن الغد مشرق ،وأن غدا لن يكون كاليوم أو البارحة .
هي مجرد حالات ، ولكن ننتظر أن تكون حالات أخرى أكثر إيلاما في بلد ينادي اليوم بمفاهيم أكبر مما يتعين على الدولة أن تكون قد المقام فيه ، فنداء ملك البلاد الأخير وتساؤله عن الثروة والرأسمال البشري والتنمية يرجح كفة أن لا شيء وصل إلى حدود من هم بالقاع ، ذلك القاع الذي يخفي فضاعات إنسانية مبنية للمجهول في انتظار إضافة ألف ولام كي نعرفها أكثر ، نساء أمهات عازبات أرامل مطلقات ، بعضهن سجن أزواجهم وبعضهم مات، وأخريات فارقهن أرباب البيوت لعلة أو لأمر يصعب شرح تفاصيله ، والمرأة نصف المجتمع ، والسؤال اليوم ما مصير المرأة في بلد رفعت فيه إشارات وشعارات بالمساواة وبالحقوق والواقع ينافي الحلم ؟ فإذا كانت العينة المنتقاة تعيش كل هذه الصعوبات فأين نحن من واقع بلد لا تزال المرأة فيه ضحية بكل امتياز ؟ تلك المرأة التي لم يصطف إلى جوارها مجتمع مدني يتدفق المال العام إلى خزائنه أيما تدفق ، أين هي أموال المبادرة الوطنية ؟ وأين هو إعادة الاعتبار والتشغيل الذاتي لواجهة من مجتمع يخفي ورائه رأسمال يتحول بفعل السياسات السخيفة إلى خسارة في رأسمال لا تمتص خسارته ببيع الأسهم أو مغادرة البورصة أو تفويت الصفقة إلى من يريد .