السياسة مجال فسيح لا يخلو من متاعب وعراقيل ومطبات، شأنها في ذلك شأن الصحافة، وهي إما هواية يمارسها عدد كبير من شرائح الشعب، وإما ابتلاء سببه الوصول إلى مراكز الشهرة والنفوذ وكسب المال، وهي لا تفرق بين الغني والفقير، إذ حدث أن فاز في سنة 1960 بائع للفحم ضد مرشح كان عضوا في الحكومة.
والسياسي كان يطلق عليه في بداية الاستقلال، لقب وطني، لأن كل المغاربة كانوا مجندين في جهاد تحرير البلاد من الاستعمار، ومحاربة الفساد والإقطاعية، حيث أن المواطن الوطني، بالإضافة إلى أدائه واجب الانخراط والانضمام لصفوف الحزب، كان ملزما بشراء الجريدة الناطقة بلسان الحزب، وكان الحزب يتكفل بالإنفاق على أعضائه المعتقلين في مختلف السجون، إذ كان مفتشو الشرطة والمخبرون يعملون على معرفة وإحصاء الأشخاص الذين يزورون المعتقلين من أجل أفكارهم السياسية، كما أنهم كانوا يتركون أحد زملائهم أمام باب منازل المعتقلين للتعرف على أعضاء الحزب، لذلك تفتقت عبقرية القادة السياسيين، فكانوا يقومون بإيصال المساعدات المالية إلى عائلات المعتقلين باستعمال سطوح المنازل المجاورة، ليصلوا إلى فناء منازل المعتقلين، وذلك لإلقاء المساعدة المالية لعائلة الوطنيين، وقد حدث أن وضعت السلطة الاستعمارية حراسا أمام منزل أحد الوطنيين بعد فشلهم في اعتقاله وتفتيشهم لجميع مرافق سكناه، فقاموا باستعمال السطوح لإخراج ذلك الوطني المعتزم اعتقاله، فوضعوه فوق نعش وذهبوا به إلى المقبرة، حيث نجحت هذه الخطة الحكيمة في مساعدة الأحزاب على نشر رسالتها للقيام بواجبها الوطني.
أما أعضاء أحزابنا اليوم، فلا همّ لهم إلا الشهرة والتميز بالانتماء إلى حزب، فكم من النبلاء والأغنياء والإقطاعيين وصلوا إلى دفة الحكم، لأنهم استطاعوا دفع المصوتين عليهم إلى اختيارهم عن طريق شراء الذمم من منعدمي الضمير، بالمقابل، هناك عدد قليل من الفقراء المنتمين لهذا الحزب أو ذاك، وبعد جهد جهيد وصلوا إلى مراكز القرار، حبا في خدمة المجتمع، لكنهم تركوا مناصبهم، لأن المسؤولين عن المنهجية السياسية فشلوا في تطبيق أفكارهم، نذكر منهم الأبطال الوطنيين المجاهدين، المرحوم المهدي بنبركة، الذي استقال من حزبه وأسس تيارا ثوريا، وعبد الرحيم بوعبيد الذي رفض منصبا وزاريا لأنه لا يتطابق مع أفكاره، ولا ننسى عبد الله إبراهيم، الذي اتخذ نفس الموقف، وأخيرا عبد الرحمان اليوسفي.. كل هؤلاء الرجال كان الشعب يحبهم ويرغب في الانضمام إلى صفوفهم تعزيزا منهم للأفكار الإصلاحية، ورغبة منهم في الخروج من قوقعة الأحزاب النمطية، وقد أفادت الإحصاءات أن 85 % من المغاربة لا يهتمون بالسياسة فأحرى بالانضمام إلى أحزاب أصبح وجودها كعدمها ولا خير يرجى من وراء أعمالها، أما أحزاب الإدارة التي “تفرعنت” خلال العشرين عاما الماضية، فقد تعود الشعب على بروزها كشهر رمضان، لها بداية ونهاية، وقد حاولت بعض الشخصيات المعروفة بصدق نواياها أن تغير هذا الوضع متشبعة بحسها الوطني وبروح الدين الإسلامي، لكن سرعان ما ظهرت في صفوفها تطاحنات واصطدامات بين أعضائها أدت إلى عزل أقوى مؤسسيها، وهو المصير الذي عرفه حزب العدالة والتنمية.. فهل يكون لهذه الظاهرة تأثير على نتائج الانتخابات المقبلة التي بدأت بعض الأحزاب تستعد لها من الآن، حيث كثرت الندوات والاجتماعات الإقليمية التي تهدف إلى تنوير الرأي العام حول البرامج التي تنوي هذه الأحزاب تطبيقها؟
وليس الصبح ببعيد كما يقول المثل الشعبي “يصبح ويفتح”، وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل سيبقى الشعب في دار غفلون، ينخدع بالشعارات الكاذبة والوعود الجوفاء، أم أنه سيستفيق من سباته ويعطي لكل حزب حقه دون الخضوع إلى تأثير الأوراق النقدية (الزرقاء) أو مساندة السلطات المحلية معتمدين على شعبيتهم وصدق نواياهم مصداقا لقول الله تعالى: ((… وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)).