افتتاحية: حين يفقد جيل 2030 بوصلته… أي مستقبل لحزب الأصالة والمعاصرة بابن جرير؟
في البدء، كان الحلم كبيراً. حلم جمع الأمل والطموح تحت يافطة “جيل 2030″، انطلقت به لائحة “الكرامة والمواطنة” مدعومة بزخم “حركة لكل الديمقراطيين” ورعاية من حزب الأصالة والمعاصرة، وهو الحلم الذي احتضنه أبناء ابن جرير من مختلف المشارب، وهم يراهنون على مشروع تنموي غير مسبوق، بوصفه قادراً على صناعة تحول مجتمعي شامل يلامس وجدان الناس، ويعانق انتظاراتهم.
لكن، ما بين البدايات الملهمة والراهنة المضطربة، تقف تجربة “جيل 2030” على عتبة الانكسار. لقد تحوّل المسار إلى نفق مظلم بفعل صراعات داخلية أنهكت التنظيم، وانشقاقات متتالية أفقدت المشروع وحدته، وحروب صغيرة قذرة حوّلت الحلم إلى كابوس سياسي. وها هو الحزب، في لحظة حرجة، يبدو وكأنه يجر وراءه هوية متمزقة، تتخبط بين رمزية الجرار التي غابت في زمن “الضيعة”، حيث قرر بعض قادته خلع جلدهم الإيديولوجي مقابل شعارات موسمية لم تصمد أمام أول اختبار سياسي جاد.
جيل 2030، الذي بُني على وعد البناء والاستمرارية، يعيش اليوم محنة حقيقية. فقد استُنفدت كل المحاولات لإنقاذ هذه التجربة، ولم تُفلح لا مبادرات المصالحة ولا خطابات العودة إلى “الأصل” في ترميم ما تهدم. ومما يزيد من تعقيد المشهد، أن الحزب اليوم ممزق بين جناحين متصارعين: جناح يدعو إلى العودة إلى نقطة الصفر وإعادة البناء بجيل جديد يملك شرعية القرب من الناس، وآخر متشبث ببقايا شرعية مهترئة، يراهن على أسماء دخيلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، في مسعى يبدو منتحراً أكثر منه حلاً.
في ظل هذا التمزق، بات من الصعب الرهان على مسار فقد الثقة، وانكسر في عرض الزمن السياسي. فالنظرية التي ارتكز عليها جيل 2030 لم تعد قابلة للحياة، بعدما أُعدمت روحها على يد “جنرالات الهدم”، الذين لم يتركوا سوى الرماد خلفهم. واليوم، وسط مشهد مرتبك، يبدو أن العودة إلى “محراب الجرار” باتت مستحيلة، لأن الجرار نفسه تآكل بفعل المواقف المرتبكة، والخيارات الانتهازية، والابتعاد عن نبض المواطن.
إن أزمة الأصالة والمعاصرة بابن جرير ليست أزمة أسماء أو توازنات ظرفية، بل هي أزمة مشروع، وهوية، ورؤية. وهي دعوة صريحة لإعادة التفكير جذرياً في شكل الانخراط السياسي، وفي شروط بناء الثقة مع المواطن، قبل أن يُطوى هذا الجيل ويُنسى كما نُسيت مشاريع كثيرة قبله، بدأت بشعارات كبرى وانتهت إلى سراب.
