لماذا التشاور هنا والان؟

0

يتقدم الملك مرة اخرى عن الجميع من خلال الفكرة النبيلة بدعوته الى الانصات للمغاربة او بالاحرى “التشاور معهم”حول جيل جديد من المشاريع تهمهم وتتعلق برفاه هذا المجتمع وكرامته…الفكرة تحمل اكبر من دلالة ومن رسالة وموقف كذلك.

سنفترض الاتي:

ـ ان ما يصله من الاخبار غير دقيق حول تنمية هذا البلد والوصول به الى ما يرجوه، واذا عدنا الى كل خطاباته فإنه غالبا ما يختمها بان هناك بالفعل الكثير مما لم يتحقق في اماكن عدة من هذا الوطن ويقصد رفاه الشعب اي “ذوق ترفه”(بيير بورديو).

ـ ان ما تحقق من نتائج يقبل “الانزياح “عنه ، وقد كان واضحا بخروج جيل Z ” بعارهم ” الذي ضاقت به السبل، وكان صوتهم يبحث عن تدخل للملك حينما عجزت الحكومة على الوفاء. وعندما نقول الحكومة فاننا نتحدث عن جهاز يتولى المغاربة منذ الاستيقاظ فجر يوم جديد الى عودتهم نحو مضاجعهم.

 

فما ظل يقوم به العاهل المغربي بتوجيه حقل الفاعلين من خلال رؤيته لتحقيق” دولة اجتماعية ” تعطل كثيرا…!

(عودوا الى اغلب خطابات العهد الجديد) وكذلك ما شيده من اهتمامات لم يصل الى الناس جله او هكذا يبدو …وصار الشارع يستنجد بالمؤسسة الملكية لوعيه قيمتها، كان هذا قبيل شهرين من الان.. حينما ضاق الوطن بابناءه الصغار جيلZ ،وضاق بمستقبلهم واسرهم ولم تمتص فضاءات الدردشة ولا ما توفره من “استلاب واستهلاك للزمن الاجتماعي” في التغاضي عن فكرة الاحتماء بالشارع ورفع الصوت وكذلك كان وكذلك كان التجاوب .

 

اذن هناك ازمة، الحكومة والشركاء يدورون في فلك مغلق منذ سنوات من السلطة .وبالتالي فان الملك من سيتذخل ليجد مسلكا وسط قضية “الثقة” بين المواطن واكثر من جهة من المدبرين ( مورغان، سوسيولوجيا التنظيمات)

ولان الازمة برمتها حصلت في” المجال الاجتماعي ومست كل حقوله” (بيير بورديو) فبات “شرعيا” طرح هذا القلق من قبيل :

 

” لماذا الان نضطر الى التشاور الغير المفكر فيه بالاصل امام قواعد القانون المنظمة للجماعات والجهات والهيئات الموضوعاتية للتشاور (التشاور المستمر، التشاور الدوري، الاجتماعات،التشاور المغلق…) ؟

 

تصبح هذه الهندسة ليست “ذوق ترف” وانما املتها وفرضتها واقعة “معيارية ” تتعلق بعيش المغاربة وسعادتهم ومؤشرات مهزوزة الى حد فرض نفسه مع القواعد الواسعة للمواطنين لاجل” عصف ذهني” معهم. كاننا امام جمود بالنصوص (جماعة، جهة، مجالس اقليمية، مقاطعة) التي كان بامكانها ان تجعل الجميع يحظى “بمكان تحت الشمس” (بيير بورديو).

 

فالازمات المبعثرة هي التي ياخذ نظام الازمات بمعقوليتها وبحلها، اي كان علينا منذ 26 سنة ان نعي ان” العهد الجديد”، عهد افكار وابداع ومجال “عويلمات صغيرة Microcosmes” بكل قرية وجماعة و”فيلاج” . حيث اشاعة روح التفكير وابداع الحلول و التشاور باكثر من طريقة

(العودة الى دليل التشاور،الياته،طرق تدبير التشاور وسائله، امكانياته) من خلال نخبة مما هو متوفر بكل “مجال اجتماعي” و”حقل للفعل” ، لم يكن يمنع ايا كان الاستعانة كما يقول المثل ( باهل مكة فهم الادرى بشعابها) ونحن على طريق تنزيل المشاريع والتنمية .

 

ان تحليل خطابات العاهل المغربي منذ الالفية الجديدة خطابات لا تتسم بالغموض بل تمنح مساحة جيدة لكل من موقعه للفعل واعطاء معنى لهذا الفعل في الادارة والسياسة والمال والاعمال، من اعلى الجبل الى السهل والصحراء والساحل …لكن للاسف منذ 26 سنة كانت فقط مبادرات الملك وافكاره وحلوله وتوجيهاته هي ” الملاذ الاخير” في غياب ” العوليمات الصغيرة” وعدم تقدير امكانياتها .

 

كان جزء من النخبة السياسية والادارية والمجتمع المدني والنخبة الاقتصادية وعرائض السكان عاجزة عن تنزيل حتى ابسط المرافق بقرية ربما يحتاج سكانها الى التفكير في مرفق يحمل مزايا لابناءها ، يعجز هؤلاء فتتحرك معاول الهدم وفلسفات ظنية DOXA…حول سؤال : من هو ؟ من اين جاء؟ واي هدف جاء لاجله…? عوض سؤال من نحن ؟

 

فهناك معضلات شتى تعيد فينا استفهاما جوهريا :

 

ماذا يتوجب فعله لنفهم اننا في مغرب قطع مع الماضي ومستعد لسماع كل المبادرات الحقيقية المحتاجة الى تدشين جديد” للقوالب النفسية “:انا، انايا الصافية، مالست انا( فيشت). او بشكل اخر نحتاج الى “خطاطة جسدية”(ميرلوبونتي ) تعيد بناء Hexis (ارسطو)” هابيتوس” جديد للوعي بان الوقت حان للبكاء على هدر المال والجهد والنيات في سبيل كم هائل من الذاتية الموغلة في الغرور.

 

تابعت تقريبا كل ما حمله الفايسبوك من “جولات التشاور” وطنيا، اتمنى ان تؤخذ مخرجاتها من اجل:

 

– تحسين اتخاذ القرار في موضوعات التشاور.

ـ زيادة المشاركة من لدن الاطراف المعنية.

ـ تحسين العلاقات بين اطراف التشاور

ـ زيادة الثقة وهو الركن الاهم بين الفاعلين المعنيين بموضوع التشاور،

اخشى ان تضيع هذه الفرصة كالعديد من اللحظات الكبرى التي كان بامكانها تغيير وجه المغرب من الداخل(تقرير الخمسينية، النموذج التنموي، ازمة كورونا، الدستور الجديد، انتخابات 2011، …). واخشى وهنا قناعة الباحث في العلوم الاجتماعية ان ينتهي كل هذا “بتواطؤ لا واعي “( بورديو) بين كل الفاعلين بكل الاقاليم والجهات، حيث لا يتم الاستفادة من:

.ـ جمع المعلومات والآراء .

ـ وتحليل المعلومات المجمعة.

ـ اتخاذ القرار ،اتخاذ قرارات مبنية على المعلومات والآراء المجمعة.

ـ وتقييم النتائج: اي امعان النظر عند نتائج التشاور من هذا الورش الكبير الذي يعيد الى اذهاننا ان الافعال التي تغير الامم اغلبها ارتبطت باحترام ارادة الشعوب، وتحيين فلسفة” التعاقد” كلما نسيها البعض …فهي “الشرعية” التي تنذر الاطراف ان الدولة عليها واجب حفظ الحقوق

l’instrument de l’etat c’est le droit (هيجل)

بمدلولاتها الواسعة وعلى نفس الدولة ان تعود مرة مرة الى تعبيد الطريق من سياق” الشعب “الى” الارادة الفردية” اي سياق “المواطن” (روسو) ليشعر هذا الفرد انه ملزم دائما “بادعاء” كونه طرفا في الورش الكبير، ورش الإرادات الجماعية (الدولة) وان صوته من البديهي سماعه.

 

لذلك فالتشاور كما يعرف :” هو عملية تواصلية تهدف إلى تبادل الآراء والافكار بين الأفراد أو الجماعات لتحقيق هدف مشترك أو اتخاذ قرار”. وهو اما مفتوح او مغلق او مستمر او دوري، واعتقد ان “البنيات الكبرى للاطلس الكبير” وكتابات الإثنوغرافية الفرنسية حول المغرب بينت دور “الجماعة “في كل الافعال النابعة من تشاور” مستبدن “بالمغاربة منذ عصور مارسوه من فعل الخثان الى الزواج وطقس” الاقراح والافراح” واستمرار المرفق العام و المصلحة الجماعية الى دور القبيلة في الدفاع عن ثغورها وعقائدها…كان كل هذا يدبر بعقل وحكمة وتبصر من لدن “السكان والاهالي” ولم يكن مجرد مسرحة او استهلاك اعلامي او “حسابا باردا “(بورديو) ينتهي بنهاية فصل او” منة ” لاحد على احد او يخدم طرفا بدعاية او نحوه. كان خدمة للوطن وخدمة الدولة “لوڨيتان” (هوبز) ، فلا تقوى الاخيرة الا بالتجدد في كل شيء…وبلد قوي قوي بمواطنيه وحرية افراده وقوة مؤسساته…

 

لكن عندما نعرف الحرية فليس معناها كما يتصوره البعض القدرة على فعل اي شيء يريده الفرد بل القدرة على فعل ما هو صحيح .

 

يوسف صبري كاتب راي وباحث بسلك الدكتوراه في علم الاجتماع السياسي والتنموي.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.