انسحاب أخنوش… قراءة في تحولات ما تحت السطح السياسي
ينطوي انسحاب عزيز أخنوش من مقطورة السياسة، وتوجيهه دفة «الحمامة الزرقاء» نحو ولاية تنظيمية ثالثة مقرونة بإمكانية ولاية حكومية ثانية، على دلالات عميقة تتجاوز ظاهر القرار وشكله التنظيمي. خطوة لا يمكن فصلها عن منطق الكواليس السياسية، حيث تُطبخ التحولات الكبرى بعيدًا عن الأضواء، وتُعاد هندسة المشهد وفق حسابات دقيقة لا يدرك تفاصيلها سوى الراسخين في علوم التدبير الخفي.
هذا الانسحاب، في قراءته المباشرة، يوحي بأن مياهًا سياسية غزيرة تجري تحت جسر المؤشرات الراهنة، حاملة معها عناوين جديدة قد تعيد تشكيل ملامح الحياة الحزبية، في أفق ما يشبه «إعادة تدوير» المشهد السياسي، أو بالأحرى فرمطة شاملة تُضخ فيها دماء جديدة، وتُعاد فيها ترتيب الأدوار والواجهات.
ويأتي هذا التحول في سياق سياسي متوتر، تَثقل كاهله وجوه مستهلكة استنفدت رصيدها الرمزي والشعبي، ولفظتها موجات غضب الشارع، ومعها كتلة صامتة خرجت عن صمتها اختناقًا بأزمة بنيوية عميقة، عصية على التفسير السريع أو الحلول الترقيعية. أزمة كشفت حدود الخطاب التقليدي، وأظهرت هشاشة الوسائط الحزبية في التقاط نبض المجتمع وتمثيل انتظاراته الحقيقية.
وعليه، فإن ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في مجرد ترتيبات تنظيمية أو رهانات انتخابية ظرفية، بل يبدو أقرب إلى مرحلة انتقالية يُعاد فيها اختبار موازين القوة، وإعادة تعريف القيادة والشرعية السياسية، في انتظار ما ستفرزه الأيام المقبلة من تحولات قد تعيد رسم الخريطة السياسية برمتها، أو تعمّق، في المقابل، فجوة الثقة بين السياسة والمجتمع.
