العزوف الانتخابي بين محدودية آجال التسجيل وأزمة الثقة في الفعل السياسي

0

مع انقضاء الأجل الاستدراكي الذي أعلن عنه وزير الداخلية، والذي امتد من 18 إلى 24 يناير الجاري لتمكين المواطنين من القيد في اللوائح الانتخابية العامة، يفتح المشهد السياسي المغربي باب النقاش واسعًا حول مدى قدرة هذه “النوافذ الزمنية” المحدودة على تحفيز المشاركة السياسية وإعادة الثقة في المسار الانتخابي.

 

ففي الوقت الذي تُثار فيه تساؤلات جوهرية حول جدوى عمليات التسجيل في ظل غياب آلية “التسجيل التلقائي”، تبرز ظاهرة العزوف لا باعتبارها عائقًا تقنيًا أو نقصًا في الوعي، بل كسلوك عقلاني مرتبط بمدى إيمان المواطن بقدرة صناديق الاقتراع على إحداث تغيير ملموس في واقعه الاقتصادي والاجتماعي. ذلك أن الامتناع عن التسجيل أو التصويت، في كثير من الحالات، يعكس موقفًا احتجاجيًا صامتًا على محدودية الأثر السياسي للمشاركة، وعلى الفجوة القائمة بين الوعود الانتخابية والنتائج المتحققة على الأرض.

 

ويُظهر هذا السياق أن الإشكال أعمق من مجرد تمديد آجال التسجيل أو تبسيط المساطر الإدارية، إذ يرتبط أساسًا بأزمة ثقة بنيوية في الفعل السياسي والحزبي. فجزء واسع من المواطنين لا يرى في العملية الانتخابية أداة فعالة للتغيير، بقدر ما يعتبرها آلية لإعادة إنتاج نفس النخب والخطابات، دون تجديد حقيقي في البرامج أو في طرق تدبير الشأن العام.

 

كما أن الاعتماد على مقاربة ظرفية، قائمة على الإعلان عن آجال استدراكية قصيرة، يحدّ من فعاليتها في استقطاب فئات واسعة، خصوصًا الشباب، الذين يُفترض أنهم الخزان الانتخابي الأكبر، لكنهم في الآن نفسه الأكثر تشكيكًا في جدوى المشاركة السياسية التقليدية. فهؤلاء لا يبحثون فقط عن حق التسجيل، بل عن معنى المشاركة، وعن تمثيلية حقيقية تعكس تطلعاتهم وتستجيب لانشغالاتهم المرتبطة بالشغل، والتعليم، والكرامة، والعدالة الاجتماعية.

 

وفي هذا الإطار، يطرح غياب التسجيل التلقائي كخيار استراتيجي علامة استفهام حول الإرادة الفعلية في توسيع قاعدة المشاركة، خاصة وأن تجارب دولية عديدة أثبتت أن هذا الإجراء يسهم في الرفع من نسب القيد، ويحوّل المشاركة من عبء إداري إلى حق مواطني مُفعّل تلقائيًا. غير أن تفعيل هذا الخيار، في السياق المغربي، يظل رهينًا بإصلاحات أعمق تمس المنظومة السياسية برمتها، ولا تقتصر على الجانب التقني للعملية الانتخابية.

 

إن الرهان الحقيقي، اليوم، لا يكمن في عدد المسجلين الجدد خلال فترة زمنية محدودة، بل في القدرة على إعادة الاعتبار للفعل الانتخابي كأداة للتغيير، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتجديد النخب، وضخ دماء جديدة قادرة على استعادة ثقة المواطن. دون ذلك، ستظل آجال التسجيل، مهما تم تمديدها، مجرد إجراءات شكلية لا تنفذ إلى جوهر الأزمة، ولا تنجح في كسر دائرة العزوف التي باتت أحد أبرز ملامح المشهد السياسي المغربي.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.