مشاهدات يومية : المسيرة الخضراء بلغة اليوم .

0

HASSAN

منذ أكثر من ثمانية وثلاثين سنة ، تحرك المغاربة من الشمال إلى الجنوب ، تحركوا في يوم واحد ، كان الانخراط جماعي تطوعي ، إن لم يكن فيضي بلا سؤال لماذا ومن وكيف وعلى ماذا وأسئلة من يريد أن يقطع الآلاف الكيلومترات على امتداد خريطة هذا الوطن  .

لم يتمالك المغاربة شعورهم القوي بضرورة تلبية نداء عاهل البلاد  الحسن الثاني ، كان الرجل في خطابه قبل الانطلاقة وهو يضرب على طاولة مرددا عبارته المشهورة ” غدا إنشاء الله ” غدا إنشاء الله ” . كانت التلبية ، ليس تلبية ألف أو ألفين ، لا ، كان ملك البلاد يومها قادرا على تعبئة المغاربة قاطبة من أجل قضيتهم ، قضية الأرض والوطن ، لم تثر أسئلة تعجيزية بين المغاربة ، ولم يسمح المغاربة بافتراء شيء يقوض العزيمة ، كان الحدث كبيرا ، حتى اعتبر بعد ذلك في تاريخ العلاقات الدولية أعظم القرارات الفردانية التي يأخذها عظماء الحكام .

عندما انتهى الحدث وتوالت السنون بينت عبقرية الملك الفذة ، وتبين أن الشعب المغربي يمكن استعادته في الأحداث الكبرى المصيرية ، وأنه شعب يعرف كيف يتحرك ومع من يتحرك ، للإشارة فالعبور السلمي بلا سلاح إلى الخطوط الوهمية وقطع الأسلاك والأشواك بتلك الطريقة التي تختزلها الفيديوهات والصور الباقية  التي تترجم فيض حب الوطن ونداء الملك،  خير  تعبير على أن المسألة أكبر من مجرد قرار ، فقد اعتبر الحسن الثاني وأنور السادات الذي عبر إلى ما دون ” خط بارليف ” ضمن أكثر الشخصيات قوة على مر التاريخ .

الوطنية لا تباع ولا تشترى ولا مزايدة عليها ، والمغاربة أكبر الشعوب التي تحب هذا الوطن بصمت كبير وبدون الإشارة .

لم يتحرك المغاربة عام 75 بالايدولوجيا ، كان المغاربة بدو بامتياز ، كان الشعب بسيطا ويمكننا أن تخيل ذلك ونحن نقارن باليوم مع كل هذه السعة في كل شيء ، لم تكن هناك إمكانيات ولم تكن حتى التلفزة قد استعمرت البيوت ، إذن كيف استجاب قرابة 350 ألف مواطن لنداء الملك في الأرياف وتحت الأرض ومن هم فوقها ، أمر المسيرة سيظل عجيبا رغم كثرة التفاسير .

مقصدنا بعد كل الذي جئنا عليه ، وبعد الملاحظات والمشاهدات ، في السنوات هذه ، في زمن التكنولوجيا والعلم والتعلم والتمدن والحضارة ، وزمن كل الامتيازات ، لماذا نستحضر هذه الذكرى بدم بارد رغم كل مظاهر الاحتفاليات ، لماذا لم يتم استنباط الدروس من يوم ” صوت الحسن ينادي بلسانك ياصحرا ” ؟ كيف ؟ لا ندري ولكن ألم يدرك الكثيرون أن صغار الأمة المغربية وبراعمها لا يعرفون عن الحدث سوى ما يستمعون إليه أحيانا ساعة من يوم وسط سنة كبيسة أو بسيطة فقط ، هل يكفي أن نجعل كل سادس من نونبر يوما ” عطلة ” وانتظار للمساء لسماع خطاب عاهل البلاد فقط ؟ ألا يجدر بالقائمين على هذا البلد تناول “ملحمة المسيرة الخضراء “البطولية بطريقة أخرى لبناء الذات المغربية في مجالات أخرى انطلاقا من عفوية ما انتهت به تلك المسيرة وما كانت قد بدأت به فعلا .

ألا يمكن استنباط ما يدفع باتجاه الأمل المفقود في الغد الذي يطحن أجيالا كثيرة بسبب البطالة والفاقة والفقر والتسول ، الأمم الكبرى تحتفي هي الأخرى بالذكرى والذكريات ، صوت “بافاروتي “و”زوربا ”  يهز القاعات والمسارح الأوروبية كل مساء، وكل المجموعات الغنائية والمعزوفات تحتفي بقيم ايطاليا وفرنسا وألمانيا وأمريكا في زمن الانتصارات ويسمعها الصغار كي يتعرفوا على تاريخ الأجداد لصناعة مواقف جديدة من العالم ومعه ، حري بنا أن نجعل من ذكرى المسيرة الخضراء وثورة الملك والشعب وعيد الاستقلال أحداثا تتعدى ” جور فيري ” إلى إعادة المصالحة مع المغاربة واجثثات ما يترسب بفعل الزمن على النفس فيهم ، وترسيخ القيم الكفيلة بإنهاض الأمة كي تشتغل كي تساهم وتساعد ، كي لا يأخذ أحد رشوة من أحد ، وكي لا يسلب أحد من أحد حقه في العيش المشترك ،وكي نتعلم أن المسيرة كانت درسا مس القيم والموروث ومس عمق الإنسان المغربي الذي به نتغير إلى الأفضل والأحسن ، لأن موت الداخل  بكل ملامحه وملاحمه البطولية التي شارك فيها الأجداد موت على الخارج  للأحفاد ، يجب التفكير في بعث المغاربة فتاريخهم جيد ويمكن استعادة المغاربة من خلاله .

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.