ابن كيران و”سياسة الترقيع”
1) عندما قرّرتْ حكومة السيد عبد الإله ابن كيران الزيادةَ في أسعار المحروقات، خلال شهر يونيو الماضي، أيْ بعد ستة أشهر فقط على تنصيبها، جاء السيد رئيس الحكومة إلى التلفزيون، وقال للمغاربة بأنّ الهدف من الزيادة هو تفادي الاقتراض من المؤسسات المالية العالمية كما كانت تفعل الحكومات السابقة، وها نحن اليوم نكتشف أنّ كل هذا الكلام لم يكن سوى مجرد عملية لذرّ الرماد في عيون المغاربة، بعدما عادت الحكومة إلى عادتها القديمة، وبدأت تطرق أبواب الأبناك العالمية من أجل أخذ قروض بملايير الدولارات، سيدفعها المغاربة من جيوبهم بعد أن تكون قد تضاعفت، بسبب الفوائد التي تكون في الغالب مرتفعة، لذلك، فعندما يقول السيد رئيس الحكومة بأنّ حكومته لن تأخذ قروضا، وبعد شهور يضرب كل كلامه في الصفر، فهذا يدخل في باب “الطنز” على المغاربة، خصوصا أولائك الذين صوّتوا لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات التشريعية الماضية.
2) حكومة السيد عبد الإله بن كيران مع الأسف الشديد، لا يبدو أنها تختلف في شيء عن الحكومات السابقة، بما في ذلك حكومة عباس الفاسي، التي قيل عنها بأنها كانت أسوأ حكومة مغربية منذ الاستقلال، والدليل على عدم وجود أي اختلاف ولا فرق بين حكومة “الإسلاميين” والحكومات السابقة هو أنّ عاما كاملا مرّ على تنصيبها، ولحدّ الآن لم نلمس أيّ تغيير، ولا أي نتيجة، على جميع الصّعُد والمستويات، ما عدا الزيادة في أسعار المحروقات، والتفكير حاليا في زيادة أسعار الكهرباء، ويعلم الله ما هي الموادّ الاستهلاكية الأخرى التي ستطالها الزيادة، وهذا لم يحدث حتى في حكومة عباس الفاسي، التي لم تعرف الزيادة في أسعار المحروقات في عهدها مثل هذه الزيادات الصاروخية التي تطبّقها حكومة السيد ابن كيران، وإذا سارت هذه الحكومة على هذا النهج فإنها لن تكون شبيهة بحكومة الفاسي فحسْبَ، بل ستكون أسوأ منها بكثير.
3) مسؤولية السيّد بن كيران تبدو أكبر بكثير من المسؤولية التي كانت ملقاة على عاتق رؤساء الحكومات السابقة، لأنّ الحكومة الحالية جاءت في ظروف خاصة، وأعطاها الدستور صلاحيات واسعة، وهذا ما يجعل حزب العدالة والتنمية في منعطف حاسم، يحتّم عليه الاختيار بين أمرين لا ثالث لهما، إمّا أن يفيَ بكل الوعود التي قطعها على نفسه أثناء الحملة الانتخابية للانتخابات التشريعية الماضية، ويلبّي مطالب الشعب لمغربي، ولو أدّى ذلك إلى وقوع صدام بينه وبين من يسميهم السيد ابن كيران بالتماسيح والعفاريت، وإلا فإنه سيفقد ثقة الذين صوّتوا لصالحه، وثقة المغاربة أجمعين، ويجد نفسه عند انتهاء ولايته الحكومية، وقد تدهورت شعبيته مثلما وقع لحزب الاتحاد الاشتراكي إبّان قيادته لما سمّي بـ”التناوب التوافقي”.
4) ويبدو أنّ هذا المصير هو الذي ينتظر حزب العدالة والتنمية إذا لم يُراجع أوراقه قبل فوات الأوان، وتتمثل أوّل خطوة يجب القيام بها من طرف السيد رئيس الحكومة في الانتقال من الشعارات الشفوية إلى التطبيق الفعلي لهذه الشعارات، حتى لا تظل مجّرد فقاعات تنفجر في الهواء دون أن تخلّف أيّ أثر، فالسيّد ابن كيران ليس هو أول من نادى بمحاربة الفساد، بل سبقه إلى ذلك السيد عبد الرحمان اليوسفي الذي رأسَ حكومة التناوب التوافقي، والذي رفع بدوره شعار تخليق الحياة العامة، ولكنّ هذا الشعار لم يجد طريقه إلى التطبيق، ونفس الشيء يحصل الآن مع السيد ابن كيران، فلم نسمع عن محاكمة أي من المتورطين في اختلاس المال العام الواردة أسماؤهم في تقارير المجلس الأعلى للحسابات، ولا الذين فضحتهم الصحافة بدلائل وحجج دامغة، والمغرب ما يزال في تراجع خطير على سلم الدول التي تنتشر فيها الرشوة، وملايير الدراهم ما زالت تهرّب إلى الخارج، دون أن نلمسَ أيّ استعداد من طرف الحكومة لوضع حدّ لهذا الفساد، رغم مرور سنة كاملة على تنصيبها، وهي مدّة كافية للبرهنة على نواياها الحقيقية، والتي يظهر جليّا للأسف أنها لا تصبّ في مصلحة الشعب.
5) حكومة السيد عبد الإله بنكيران، كما هو حال باقي الحكومات السابقة، لا تتوفّر على برنامج واضح من أجل الانتقال بالمغرب من هذا الوضع المتردّي، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ومن جميع النواحي، إلى وضع أفضل، فمن الناحية الاقتصادية مثلا، كانت الحكومات السابقة تلجأ إلى خوْصصة المؤسسات العمومية للخواصّ، وعندما لم يعد لدى الدولة ما تبيعه أصبحت تلجأ إلى الاقتراض من المؤسسات المالية الدولية، أما حكومة السيد ابن كيران فقد أضافت إلى الاقتراض الزيادةَ في أسعار المواد الاستهلاكية الحيوية، في الوقت الذي تتحدث الصحافة عن وجود عشرات الصناديق المالية السوداء التي تحوي ملايير الدراهم، دون أن نعرف من يستفيد منها، وكيف يتمّ صرفها، واالطامة الكبرى هي أنّه في الوقت الذي تتمّ فيه الزيادة في أسعار الموادّ الاستهلاكية الموجهة للمواطنين، نرى كيف أن الحكومة تزيد ميزانية القصر بما يقارب ثمانية ملايير في السنة، في الوقت الذي رفض السيد ابن كيران أن يفرض أي ضريبة على الأثرياء، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على أنّ هذه الحكومة ليست حكومة شعبية كما تدّعي، وليست حكومة “إنقاذ”، من أجل الانتقال بالبلد من وضع إلى وضع أفضل، ما دام أنّها لا تملك برنامجا واضحا، أوْ تملكه لكنها عاجزة عن تطبيقه، تفاديا لإغضاب جهة ما، ولا يساورنا أيّ شك في أنّ ما تبقى من ولايتها سيكون على نهج السنة الماضية، أيْ أنّ السيد ابن كيران وفريقه الحكومي سيستمرّ في نهج “سياسة الترقيع”، كما كان يفعل الذين سبقوه، وفي ذلك خسارة للشعب المغربي الذي كان يعوّل على “الإسلاميين” لتحقيق ولو جزء يسير من التغيير، وخسارة لحزب العدالة والتنمية أيضا.

