بين قداسة الخطاب وانحراف الممارسة: سوسيولوجيا النفاق المؤسساتي وإعادة إنتاج الفساد في المغرب
عبدالاله العتوبي، باحث في علم اجتماع الهشاشة والحياة اليومية
حين يتبنى المواطن خطاب الدولة الرسمي بما يحمله من قيم سامية حول الجدية، العدالة الاجتماعية والمجالية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، فإنه يدخل ضمنيا في تعاقد أخلاقي مع المؤسسات، تعاقد يفترض انسجام القول مع الفعل، غير أن التجربة اليومية داخل بعض الفضاءات المؤسساتية تكشف عن مفارقة حادة بين “النص المعلن” و“الممارسة الفعلية”، وهي مفارقة ليست مجرد انحراف فردي بل تعبير عن بنية مزدوجة تشتغل بمنطقين متوازيين: منطق رمزي علني يُقدس الوطن ويحتفي بالقيم، ومنطق خفي يعيد توزيع الموارد والسلطة وفق شبكات غير رسمية، وهو ما ينسجم مع تحليل إرفينغ غوفمان حول التمييز بين “الواجهة” و“الكواليس”، حيث تعرض القيم أمام الجمهور بينما تدار المصالح في الخلف، كما يتقاطع مع أطروحة جيمس سكوت حول “النصوص العلنية” و“النصوص الخفية” التي تنتجها أنظمة السلطة، حيث يصبح الخطاب الرسمي أداة للشرعنة بينما تمارس السلطة الفعلية عبر ترتيبات غير مرئية، وفي هذا السياق، لا يعود الفساد مجرد انحراف أخلاقي بل يتحول إلى نسق اجتماعي قائم بذاته، يعاد إنتاجه يوميا عبر ممارسات تبدو عادية، مثل تحويل المساعدات الاجتماعية إلى غنائم، أو توظيف العمل الجمعوي كقناة لإعادة توزيع الريع بدل كونه وسيطا للتنمية، وهو ما يكشف عن انزياح خطير في وظيفة المجتمع المدني من فضاء لإنتاج المواطنة إلى آلية لإعادة إنتاج الامتيازات، في انسجام مع نقد ألكسيس دو توكفيل الذي ربط قوة المجتمع المدني بقدرته على الحد من الاستبداد، لا التواطؤ معه، غير أن الأخطر من ذلك هو ما يمكن تسميته بـ“تطبيع الفساد”، حيث يتحول السلوك المنحرف إلى قاعدة، ويصبح الالتزام بالقانون استثناء مكلفا، بل ومهددا، إذ ينظر إلى الفاعل النزيه كعنصر مشوش يجب تحييده عبر الإشاعة أو الإقصاء أو ما يسميه بيير بورديو بـ“العنف الرمزي”، أي ذلك الشكل غير المرئي من الإكراه الذي يمارس على الأفراد لدفعهم إلى الامتثال لقواعد غير مكتوبة، وفي هذا السياق، لا يشتغل الفساد فقط عبر النهب المباشر، بل أيضا عبر آليات أكثر تعقيدا مثل فبركة الملفات، استغلال أخطاء المسؤولية، وابتزاز الفاعلين، مما يحول بعض حاملي المسؤولية من حراس للنظام إلى ضحايا داخل شبكة ضغط غير رسمية، وهو ما يعكس هشاشة البنية المؤسساتية أمام تغلغل شبكات المصالح، ويطرح سؤالا جوهريا حول فعالية آليات الرقابة والمحاسبة، خاصة حين تصبح هذه الأخيرة نفسها جزءا من المشكلة، إما بالصمت أو بالتواطؤ أو بالعجز، وهنا تتجلى إحدى أخطر مفارقات الدولة المعاصرة: وجود إرادة إصلاحية على مستوى الخطاب المركزي، تقابلها مقاومة صامتة على مستوى التنفيذ المحلي، حيث تفرغ السياسات من مضمونها عبر ما يمكن تسميته بـ“الترجمة المنحرفة” للتوجيهات، أي إعادة تأويلها بما يخدم مصالح ضيقة، وهو ما يجعل سؤال “هل تصل الحقيقة إلى الأعلى؟” سؤالا مشروعا لكنه غير كاف، لأن الإشكال لا يكمن فقط في الوصول، بل في ما يحدث للحقيقة أثناء عبورها عبر المستويات الوسيطة، حيث تصفى، تعاد صياغتها، أو تحجب بالكامل، وفي ظل هذا الوضع، يجد المواطن الملتزم نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: إما الانخراط في اللعبة وقبول منطق الغنيمة، أو الحفاظ على نزاهته مع ما يترتب عن ذلك من عزلة واستهداف، وهو ما يعيد إنتاج ما وصفه ماكس فيبر بـ“أخلاقيات القناعة” في مواجهة “أخلاقيات المسؤولية”، حيث يصبح الفعل الأخلاقي مكلفا في سياق لا يكافئه، ومع ذلك، فإن هذا الموقع الهامشي للنزاهة، رغم كلفته، يظل ضروريا كشرط لإمكانية التغيير، ليس عبر المواجهة المباشرة دائما، بل عبر التوثيق، إنتاج المعرفة، وكسر احتكار الرواية الرسمية، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس انتشار الفساد في حد ذاته، بل فقدان القدرة على تسميته وكشفه، وعندما يصبح “العام زين” خطابا مهيمنا رغم كل التصدعات، فإننا لا نكون فقط أمام أزمة تدبير، بل أمام أزمة معنى، حيث تنفصل اللغة عن الواقع، وتتحول القيم إلى مجرد أدوات للتمويه، وهو ما يستدعي إعادة التفكير في دور الفاعلين، ليس فقط كمنفذين للسياسات، بل كحراس للمعنى، لأن المعركة الحقيقية ليست فقط حول من يملك الموارد، بل حول من يملك القدرة على تعريف ما هو مشروع وما هو منحرف، وفي هذا المستوى تحديدا، يبدأ التغيير.
