حينما نستحضر مداولات المجالس الجماعية ببلاد الشمال والعم سام نجد أن المتحدثين باسم الشعب من النبلاء والطبقات الارستقراطية والمثقفين ورجال الأعمال والمهندسين والأطباء والأساتذة الجامعيين والمتخصصين في الإعلام والاقتصاد والقانون والعلوم السياسية ….وحديثهم عن التنمية يكون ذو شجون وشؤون وفيه نبرة التعدد الثقافي والاختلاف الفكري والتنوع المعرفي ، وفيه منطق التحليل والقوة الاقتراحية والتأثير والاستجابة ويهيمن عليه النقاش العقلاني والقراءات الموضوعية للقوانين والتشريعات وللسياسات العمومية .السياسة في الضفة الأخرى تمارس بعلومها السياسية والإنسانية والسوسيولوجية والأنتروبولوجية وتستخدم فيها آليات التواصل المؤسساتي وتقنيات علوم التدبير والتخطيط وأبجديات العلاقات العامة ويمتلك ممارسوها فن الخطابة وناصية اللغة وفن الإنصات للآخر وحنكة التفاعل مع الأحداث والوقائع … كل شيء هناك بحساب وبمقدار وإتقان وهامش الخطأ بنسبة ضئيلة ، الرجل المناسب في المكان المناسب والقيم والأخلاق والمثل مقدسات الوطن .
أما حينما نتمثل السياسة في المغرب وبمنطقتنا على الخصوص فإننا نجد الناطحة والمتردية هي التي تمارس الشأن السياسي وهي التي تفتي في الشأن العام وهي التي تستمسك بزمام الأمور وتدبر الميزانيات والعمران وسياسة المدينة . أغلب الرؤساء والمستشارين نقلهم جرار “المستشار” إلى مستنقع الكعكة التي تقتسم فصولها وتبويباتها بالحصيص والكوطا وحسب درجة العلم والمعرفة بدهاليز التسيير . المنطق هنا مختلف تماما ، التواصل ليس إلا انتخابيا والقانون من يعرف من أين تؤكل الكتف والتخطيط لشراء سيارة فارهة وبناء مسكن خمس نجوم وجمع الثروة …المنتخب هنا بالرحامنة منشغل بحصيلة الرصيد وبزبناء صناديق الاقتراع وبعلاقات القرب مع المقاولين الراغبين في إبرام الصفقات . من يستطيع أن يقول بأننا نتوفر على منتخبين بمستويات ثقافية وأكاديمية واجتماعية ، بل علمنا علم اليقين بأن البدونة بمفهوميها السوسيولوجي والثقافي جاثمة على رؤوسنا ليصبح مفهوم السياسة رديف للبلطجة والاستمناء السياسي والعربدة الانتخابية .