فيلم “الزفت” : تشريح لعلاقات القوة والسلطة بالحق
ينتهي فيلم “الزفت” للمخرج الكبير الطيب الصديقي بما يشبه بشكل رهيب واقع اليوم ، فلا يظهر هناك ضباب او سوء فهم في ما بين عام 1984 فترة انجاز الفيلم وبعده ب 41 سنة على مستوى بعض الاشكال التي توحي بالقول؛ “ما اشبه اليوم بالامس في قضية التمثلات ,الاهتمام الرفض، وجبر ضرر الانتهاكات، حول ما يتعلق بقضايا الانسان المغربي الباحث عن العيش الكريم ،الذي يلخصه المغاربة في الارتباط بالارض التي هي منطلق مفهوم السيادة، سيادة المواطن على ما يملك وما يدور في مجاله الخاص والعام (هابرماس) .
ينطلق سيناريو الطيب الصديقي مخرج الفيلم بواحدة من” الادعاءات” التي لم يجد لها حلا، وهو عندما تفضل ساكنة دواره بدفن ميت بارضه بالقوة، ضدا عنه، وبدون استشارته، ولا طلب الاذن منه، فقط ادعوا (الجماعة) ان الميت ولي صالح، وان كل الارض يمكنهم استغلالها ليوارى الثرى، وان الجماعة تخضع بالتالي الفرد لاهوائها، وللاستجابة، ولا صوت يعلو على صوت تواطؤ “الإرادات” بين جماعة القرية والسلطة في شخص القائد ومعاونه.
الفيلم من اخراج وبطولة وكتابة وانتاج الطيب الصديقي، وانا الذي لم يرقني دائما هذا الجمع الغير المعقول بين ثلاث مهمات الى اربع في السينما ،وكلما شاهدت فيلما مغربيا يشعرني “الاستحواذ” على الادوار بنوع من عدم نضج السينما المغربية خصوصا في هذه الايام… حيث تتسم الانتاجات في مجملها بغياب “الفكرة” وتشظي الحوار ،وهزال ايقاعات الفيلم، وغياب الموهبة الا قليلا ، وقس عليها “عموميات” هي مربط الفرس في الفيلم الذي قد يتجاوز ساعة ونصف تخرج غير مستوعب لفكرة، ولا يبقى من فيلمهم شيء ببالك، بينما تقول قي خاطرك كان بالامكان استغلال الزوايا والعتمة الى قدر كبير، واستغلال التيكنولوجيا، واجراء Casting مكتف والتشبع من خلال الفرجة على تجارب اسيوية وامريكولاتنية واوروبية ويابانية فرصت نفسها بشكل رهيب على المشهد السينمائي العالمي ، لكن مع فيلم “الزفت” لمست تمكن المخرج من ادواته، وهو رائد للمسرح المغربي بامتياز ،وبالتالي حمل عار المسىرح الى السينما من اجل امكان يصعب تنزيله على من لا يمتلك نفس ادوات الطيب الصديقي. فاستحسنت “حضوره” في كل لحظات العمل ،ممثلا، مخرجا، منتجا، صاحب سيناريو وقصة بدورها عرت عن ماذا اراد الرجل معالجته من خلال العمل برمته .
فهناك بالنهاية اكثر من اشكالية عالجها النص والمشاهد وهي على التوالي :
ـ الحكرة ومعناها: احتكار السلطة واضعاف الاخر وتغريبه (اغترابه) عن حقوقه، وهو ما يريد الطيب ان يشير علينا به حتى عام 1984، بانتهاك حرمة بيته، وتهجيره، وهدم مسكنه، واقتلاعه من ارضه، وانتقاله للعيش بعربة مجرورة ببغل، هو وزوجته التي لم تكن سوى ايقونة المسىرح المغربي الوزيرة السابقة للثقافة “ثريا جبران”, فصارا يسكنان كل ارض الله ويمتطيان سكنا عشوائيا على ظهر عربة بعدما فقد كل ما بحيلتهم ، من امان وامن، وارض وعلاقات وقرابة، وهدوء وعيش، وكرامة .
– يطرح المخرج علاقة : الانسان بالاضرحة والادعاء من خلال هذا الابتكار البشري لفكرة “السيد ” بحسب فيلم الصديقي، على اعتبار ان كل الذي شيده بفيلم “الزفت” اراد ابراز وجهة نظره النقدية، من خلال القول بان الجماعة هي من “تدعي ” خلق اسباب الوجاهة الاجتماعية والدينية واضفاء القداسة على من تشاء من الناس، بدون بحث وواقعية، وان فلانا يمكن ان يصير كذا وكذا ، وان هناك من يركبون هذه الموجة، وهم من ظهروا بفيلمه ممن تحولوا الى “منتفعين” “مباشرة وبشكل غير مباشر، بتحويل قبر الى نصب والى ضريح …بنيت عليه قبة طليت بالجير، وصارت تقام امامها الاسواق والمواسم وخلق حركة “ثقافية واقتصادية” شديدة الحساسية ،غيرت مسار طريق برمته، هنا بالضبط يتصل تفكير المخرج النقدي في موضوع غير سهل القبض عليه ،ليقول لنا ان المسرحي والسينمائي لا يختلفان عن العالم والباحث في الانثربولوجيا الثقافية كذلك والعلوم الاجتماعية، كانه يستشرف جهود الاستاذ حسن رشيق عالم الاجتماع والعالم عبد الله حمودي في اعمالهما “سلطان الاخرين، والشيخ والمريد”, فبنفس الشروحات العلمية التي قدمها الدكتور حسن حول ” شمهاروش” تكاد تكون ذاتها، وهي وجود “رهانات” ووجود “سباق” حميم بين الافراد داخل الجماعة لصناعة واجهة للاستفاذة من المحيط بابداع فكرة ذات مردود اقتصادي وطقس مقدس تنافسي، في فراغ القرى التي عليها خلق مورد للعيش.بالتالي فالانسان عبقري كل العصور.
ـ علاقات الافراد بالسلطة التي رسم معالمها الطيب الصديقي وهو يتوجه كل حين الى شخص القائد من اجل الشكوى ،ومن اجل ايجاد الحل لمظالمه، ورفع الحيف، عنه، ودور السلطة هنا، هو ذاك “الوسيط” او تلك المؤسسة الرسمية التي تدير القرى والمجتمع وعليها انصاف البشر من حولها، لكن المخرج الصديقي من خلال قدرته الكبيرة على جعل الشخصيات التي تمثل الجانب الخاص للسلطة بالفيلم ،وفق ايماءات وحركات وتغيير زوايا الكاميرا ودلالات الحوار بين رموز ها، واستنتاجات حول الاجابات والردود والافعال وايقاع الفيلم ،تحمل لك كمتلقي “حالات التعسف” التي رافقت اداء شخصية القائد الذي لم يجعله المخرج موفقا في اداء مهتمه، ربما فنيا يريد الطيب ان ينقل لنا جو عاما سيسهل علينا اليوم فقط مقابلة الماضي بالحاضر، ومحاولة اكتشاف ذواتنا في علاقات القوة تلك، بين السلطة وبين المواطنين عقب كل تماس يتعلق بالحق والمطالب …فهل تغير شيء ونحن نتفرج، ربما الطيب كان واثقا من ان فيلمه سيتجاوز لحظات العام 1984 من اجل قراءات تصلح تاريخيا لوقفات نقدية ممكنة .
– الطريق، استغل مفهوم” الزفت” الذي لا يعني سوى المصلحة العامة و”الشانطي” عند المغاربة، والتي بدورها يتم تشييدها على معالم ثقافية عدد اوجهها بين :”المجتمع المنغلق، البداوة، الحياء ،الاحترام، تقدير الذات” لتتساقط تباعا ،فحينما يتبين ان الطريق بالفعل ستفك عزلة الناس (المطالب الاجتماعية)، يخسر هو الرافض لذلك ارضه، متاعه، داره، بيته، وحقوقه، وبالتالي هذه “التفاعلات” بين الرافضين والمقبلين هي جوهر قصة التنمية او قضية المجتمع الذي يوم ظهرت فكرة الاجتماع البشري ،برزت مبررات ان نكون او لا نكون، من خلال قياس درجات الرفض والقبول، وتقريب وجهات النظر من اجل المصلحة العامة، التي يضيع بسبب تنفيذها ناس ، ويستفيد اخرون ، وتتوزع المواقف وتنجح الدولة في فرض شروطها على الجميع باعتبارها راعية كل ذلك، وتملك حق العنف المشروع والشرعية( ماكس فيبر) .
الطيب الصديقي لم يقل العكس ،انما مسه الامر من زاوية مصادرة ارضه، وعدم تعويضه، وتركه مهاجرا ،جارت عليه الظروف، بدون موقف انساني ولا تدخل للجهات التي عليها حماية حقوقه واقامة العدالة من اجله ورحمته ، وجبر اضراره، السؤال هنا : ما الذي يجعل مساطرا تنفذ بحذافرها منها مثلا مسطرة نزع الملكية من اجل المنفعة العامة تاتي على اخضر الناس ويابسهم بدون التفكير في حقوقهم؟ وكان الصديقي يمنحنا وحدنا نحن الباقون خلفه النظر بنظر ، اي الاجابة على ما تركه سؤال معلق، حول امكانية ان يكون تغير هذا الواقع ؟ للاسف لم يتغير ولا تزال ممارسات، تصادر لنفس الغايات دون عدالة في الموضوع ،ودون توافق مع اصحاب الارض او السكان او المالكين او المتضررين بشكل عادل شفاف يضمن الحقوق لاصحابها.
ـ اخيرا اراد الطيب الصديقي من فوق القنطرة المطلة على ارضه، وقد شيد مشروع “الزفت ” او الطريق السريع الذي اقيمت عليه دنيا ذلك الزمن حيث جلس وزجته، ليقول لنا من خلف كل ذلك (المشهد الكبير)، ان الرجل المعتوه الذي شيد من اجله الضريح من تغير حاله، مقابل حال مالك صار فيه صاحب الارض الطيب الصديقي وثريا جبران لاجئان بدون مسكن، حيث تظهر من وراء القنطرة القبة البيضاء ،و الشكل المتعارف عليه عند المغاربة بخصوص ابنية الاضرحة، ويظهر من كان بالامس خديما لاجئا على باب الضريح يوزع الدعاء وتاتيه النساء والرجال بالهدايا والهبات ،وهو بعد عار حاف مجرد، يستغل زبانيته ،بفعل “رهانات” بات هو السيد والوقور، يتحدث للزوار من على منبر، ويلبس غال الثياب، ويتكلم على الهاتف الى من يفكرون في بركاته .
الفيلم صورة للامس في الحاضر عن مجموعة مفاهيم من قبيل :التمثلات ,الافعال والمقاصد، وهل بالفعل وهذا تقدير الطيب، سنتعرف على المغرب الذي نعيش فيه ويعيش فينا، وهل هناك تحولات اجتماعية وثقافية واقتصادية تخلصت من الكثير من الممارسات والقواعد والعلاقات ( السلطة، المواطن، الادارة، التاويل، التمثل), كما يدفعنا فيلمه الى مساءلة الذات حول مجموعة من القضايا “السائلة”(زيغموند باومان) ، فيما يخص موضوعات ،العيش المشترك، التنمية، الحق، السلطة، القوة، الشرعية التاريخية، العنف ثم الاسئلة المؤجلة حول الحقوق والحريات وبالخصوص ،الحق في التملك والسكن والحماية الاجتماعية والمساعدة النفسية وجبر الاضرار المتعلقة بالاخطاء البشرية موضوع الفيلم.
اراد المسرحي خلال ساعة و37 دقيقة شدنا وهو يستعرض جميع الادوات المسرحية التي يتقنها لنشاهد معه تحديات عام 1984، التي ابتعدنا عنها كثيرا، فقيمة “الفيلم الاثنوغرافي” كانت فتحا جديدا في العلوم الاجتماعية قبل مائة عام تقريبا لفهم ظروف عيش السكان ،فما بالك بالفيلم السنيمائي الذي ولد تقريبا بعد ذلك بعقود قليلة ،فقط ليؤكد ان الناس في اماكن عيش سكناهم هم من ينتجون ما سيصبح بكل تاكيد مساطر وقوانين واعراف وعلاقات وتفاعلات، عادة ما كانت مسرحيات “فولتير” حاسمة في المسار الاوروبي والاداب والفنون ، فقط: كان فولتير من خلال تقرير الفيلسوف “لوك فيري” قادر من خلال مسرحياته يمس المشاعر البشرية وهي نفسها اشتقاق مفهوم “الاستيتيك”، وان هذا التلمس للقضايا يحتمل وجهان واحد محلي والاخر يتطور ليصبح كونيا لذلك انتصرت معزوفات صارت كونية من قبيل : باخ ،بتهوفن،فيردي ،ومن اجل نفس الغاية و غذاة احداث 1968 بفرنسا، عندما كان الفيلسوف “جون بول سارتر ” يدير الاحداث في الصف الاول للاحتجاجات، فلما فكر البعض محاسبته باقتراح على رئيس فرنسا، جاء الرد عليهم من نفس “شارل دوغول” ،لا يمكن اعتقال “ديدرو” العهد الجديد. فالفن المحلي يصبح كونيا ويجر معه قضاياه واشخاصه التي تفرض الحل وليس تقترحه، واعتقد اننا اليوم علينا بالعودة الى سينما الطيب الصديقي لمحاولة التخلص من اعباء لا زالت حاضرة في الذهنية والفعل ( الممارسة ) وحده الفن الهادف من يقف لها بالمرصاد .
يوسف صبري كاتب راي وباحث في سلك الدكتوراه مهتم بالسينما والمسرح .
