تفاهة الشهرة في زمن المنصات الرقمية

0

منذ بدايات الإعلام، ظل تأثيره في الوعي الفردي والجماعي موضوع نقاش دائم، غير أن التحول الرقمي نقل هذا التأثير إلى مستويات أكثر عمقاً وتعقيداً. فمع هيمنة المنصات الاجتماعية، لم تعد الثقافة تُنتج بوصفها مجالاً للتفكير والإبداع، بل تحولت في كثير من مظاهرها إلى مادة سريعة الاستهلاك، تخضع لمنطق التفاعل والربح.

 

تتحكم الخوارزميات اليوم في طبيعة المحتوى المتداول، حيث يُعاد إنتاج ما يحقق أكبر قدر من المشاهدات والتفاعل، فتسود أنماط متشابهة ومكررة من الفيديوهات والخطابات، ويجري توجيه المستخدم نحو ما يضمن بقاءه أطول وقت ممكن داخل المنصة. هذا المسار خلق حاجات جديدة قائمة على هوس “الإعجابات” وعدد المتابعين، في سباق لا ينتهي نحو الظهور والانتشار.

 

في هذا المناخ، برزت فئة من “مشاهير آخر ساعة” الذين لا يقوم حضورهم على أي رصيد معرفي أو مهني، بل على الإثارة وصناعة الجدل واستغلال العاطفة، حيث تغدو الشهرة هدفاً في حد ذاتها، وينزاح الاهتمام من جودة المضمون إلى حجم المتابعة. وهكذا يتحول الإنسان إلى منتَج رقمي، يُقاس وزنه بعدد النقرات لا بقيمة ما يقدمه من أفكار.

 

إن هذا الواقع يطرح أسئلة أخلاقية وثقافية عميقة حول مستقبل الوعي في زمن المنصات، وحول ما إذا كان الفضاء الرقمي سيظل مجالاً للتعبير الحر، أم سيستمر في إنتاج أشكال جديدة من الاستهلاك الرمزي والتفاهة المقنّعة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.