من الجرار إلى السنبلة: دلالات التحول الحزبي لعبد السلام الباكوري وحدود النفوذ السياسي بالرحامنة

0

مغادرة عبد السلام الباكوري لحزب الأصالة والمعاصرة، والعودة إلى الحركة الشعبية، ليست حدثًا عابرًا في المشهد السياسي المحلي بإقليم الرحامنة، بقدر ما هي مؤشر دالّ على تحولات أعمق تمس بنية الفعل الحزبي، ومنطق تدبير التنظيمات، وحدود السلطة داخل الأحزاب ذات الامتداد الوطني. فالقرار، في جوهره، يعيد طرح سؤال الموقع والدور: كيف ينتقل فاعل سياسي وازن، راكم تجربة ممتدة منذ ثمانينيات القرن الماضي، من مركز القرار الحزبي إلى هامش النفوذ المحلي، دون أن يترك ذلك أثرًا نفسيًا وسياسيًا؟

 

الباكوري، الذي خبر دهاليز السياسة وتنقّل بين الحركة الشعبية والاتحاد الدستوري ثم الأصالة والمعاصرة، لم يكن مجرد عابر تنظيماتي، بل أحد صناع التوازنات، وقادرًا على التعبئة وبناء الشبكات. لذلك، فإن خروجه من “الجرار” لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات التي عرفها الحزب، حيث انتقلت مراكز القرار من منطق التعدد والتوازن إلى منطق الإملاء والتمركز، ما جعل عدداً من القيادات المحلية تشعر بتآكل أدوارها واختزال حضورها في واجهات انتخابية بلا وزن تقريرِي.

 

في هذا السياق، يبدو أن الرحامنة، التي كانت تُقدَّم لسنوات كأحد معاقل الفكرة المؤسسة لحزب الأصالة والمعاصرة، تحولت إلى مجال مُدار من خارجها، تُرسم فيه الخرائط الانتخابية والتحالفات بقرارات فوقية، تُقصي أحيانًا التاريخ النضالي والامتداد الاجتماعي لصالح منطق الولاءات الظرفية. وهو ما يفسر إحساس الغبن الذي يلوح في خلفية قرار الباكوري، ليس باعتباره فقدانًا لمنصب، بل تهميشًا لدور سياسي اعتُبر لسنوات ركيزة في التوازن المحلي.

 

العودة إلى “السنبلة” تحمل بدورها أكثر من دلالة. فهي، من جهة، عودة رمزية إلى الجذور الأولى، ومن جهة أخرى، محاولة لاستعادة هامش حركة داخل تنظيم أقل صخبًا وأكثر مرونة على المستوى المحلي. غير أن هذا الخيار يفتح تساؤلات حقيقية حول مدى قدرة الحركة الشعبية، في وضعها الراهن، على احتضان قيادات ذات وزن، وتوفير شروط الفعل السياسي المؤثر، بعيدًا عن إعادة إنتاج نفس أعطاب المركزية والتحكم.

 

الأهم من ذلك، أن هذا التحول لا يُقرأ بمعزل عن سياق عام تعيشه الأحزاب المغربية، حيث تتسع الهوة بين القيادات المحلية والقواعد، وتتراجع الديمقراطية الداخلية لصالح “كولسة” القرار، وتُختزل السياسة في تدبير انتخابي قصير النفس. في هذا المناخ، يصبح الانتقال الحزبي فعل احتجاج صامت بقدر ما هو بحث عن موطئ قدم اعتباري في خريف المسار السياسي.

 

ويبقى السؤال الأبرز معلقًا: هل سيلتحق آخرون بالباكوري في هذه الرحلة؟ وهل سنشهد تشكّل نواة سياسية من الغاضبين، تضم باميين وحركيين قدامى، تبحث عن إعادة تموضع خارج قبضة التحكم؟ أم أن التحول سيظل فرديًا، يُحسب ضمن مناورات البقاء السياسي أكثر منه بداية لتصدع تنظيمي واسع؟ وحدها الأسابيع المقبلة كفيلة بكشف مآلات هذا الاختيار، في مشهد سياسي محلي يتغير بصمت، لكن بآثار بعيدة المدى.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.