المحكمة الدستورية تفرمل “لجنة الصحافة المؤقتة” والحكومة تسحب المشروع رسمياً

0

شكّل قرار الحكومة سحب مشروع المرسوم بقانون المتعلق بإحداث لجنة مؤقتة لتسيير شؤون المجلس الوطني للصحافة منعطفاً لافتاً في مسار تنظيم الحقل الإعلامي بالمغرب، بعدما أعلن وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد عن حذف المشروع من جدول أعمال الاجتماع الحكومي الأخير، عقب مشاورات داخلية ومداولات مؤسساتية.

 

ورغم إقرار الوزير بالتراجع عن تمرير النص، فإن المعطيات الرسمية لم تكشف بشكل مفصل عن الدوافع الدقيقة لهذا القرار، كما لم يتم الإعلان عن سقف زمني واضح لإعادة طرح المشروع في صيغة جديدة، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة حالة القلق والترقب داخل الجسم الصحافي، خاصة في ظل الفراغ التنظيمي الذي يطبع تدبير مؤسسة التنظيم الذاتي للمهنة.

 

ويأتي هذا التطور في سياق دستوري ضاغط، بعدما أصدرت المحكمة الدستورية قراراً حاسماً قضى بعدم دستورية مقتضيات محورية في مشروع القانون التنظيمي المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة. واعتبرت المحكمة أن المسار التشريعي الذي اعتمده المشروع اتسم بالاستعجال المفرط، ولم يستوفِ شروط التشاور الواسع ولا التوازنات الضرورية التي يفرضها الدستور لضمان استقلالية المؤسسات المهنية.

 

وشدد القرار الدستوري على أن تنظيم مهنة الصحافة لا يمكن أن يتم بمنطق التدبير الظرفي أو الحلول الانتقالية المفروضة من أعلى، بل يقتضي احترام مبادئ الاستقلالية والتنظيم الذاتي، واستحضار رأي المهنيين والفاعلين المؤسساتيين، بما ينسجم مع روح الدستور والضمانات المرتبطة بحرية التعبير والصحافة.

 

وتعود جذور هذا الملف إلى يوليوز 2025، حين صادقت الحكومة على المشروع وأحالته على البرلمان بصفة الاستعجال. وقد جرى تمريره بسرعة عبر غرفتي البرلمان خلال النصف الثاني من السنة نفسها، غير أن الطعون التي تقدمت بها فرق المعارضة أمام القضاء الدستوري كشفت عن اختلالات قانونية وبنيوية، همّت على الخصوص طبيعة اللجنة المؤقتة وصلاحياتها ومدى انسجامها مع مبدأ التنظيم الذاتي.

 

وأمام هذا الوضع، وجدت الحكومة نفسها مضطرة إلى سحب المشروع وإعادة ترتيب أوراقه، في انتظار صيغة تشريعية جديدة قادرة على تجاوز الملاحظات الدستورية، واستيعاب مطالب المهنيين، وتفادي إعادة إنتاج منطق الوصاية أو التدبير الاستثنائي، الذي أثار منذ البداية جدلاً واسعاً داخل الحقل الإعلامي والحقوقي.

 

ويفتح هذا التطور الباب أمام مرحلة دقيقة تتطلب مقاربة تشاركية حقيقية، توازن بين ضرورة إصلاح منظومة الصحافة وضمان استمرارية مؤسساتها، وبين احترام الدستور واستقلالية المهنة، في أفق بناء إطار قانوني مستقر يحظى بالشرعية المهنية والدستورية معاً.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.