من رجل السلطة الآمر إلى رجل السلطة الباحث: نحو إعادة تشكيل التدبير الترابي في المغرب على ضوء علم اجتماع الهشاشة والحياة اليومية، والتحول الرقمي
عبدالاله العتوبي، باحث في علم اجتماع الهشاشة والحياة اليومية
يشهد الحقل الإداري بالمغرب تحولا عميقا في تمثل وممارسة وظيفة رجل السلطة، حيث لم يعد هذا الأخير مجرد منفذ للتعليمات ضمن هرم بيروقراطي تقليدي، بل أضحى فاعلا معرفيا منخرطا في قراءة الواقع الاجتماعي وتحليله، في سياق يتسم بتعقيد متزايد لظواهر الهشاشة في الحياة اليومية، وهو ما يجد تفسيره في الأدبيات السوسيولوجية التي أبرزت أن الهشاشة لم تعد حالة اقتصادية ظرفية، بل بنية مركبة تتداخل فيها عوامل الإقصاء الرمزي وضعف الرأسمال الاجتماعي (بيير بورديو) وتفكك الروابط اليومية (إرفينغ غوفمان)، مما يجعل من الضروري انتقال رجل السلطة من منطق الضبط إلى منطق الفهم، ومن التدخل الظرفي إلى التحليل المستمر للتمثلات والممارسات الاجتماعية، وفي هذا السياق يبرز مفهوم الذكاء الاجتماعي كأداة مركزية في إعادة بناء العلاقة مع المواطنين، حيث يؤكد (دانيال غولمان) أن الفاعلين القادرين على قراءة الانفعالات والسياقات هم الأكثر قدرة على التأثير الإيجابي داخل الجماعات، وهو ما يتقاطع مع مقاربات الحكامة التشاركية التي ترى في الثقة والتواصل ركيزتين أساسيتين لأي تدخل تنموي فعال (يورغن هابرماس)، كما أن التحول الرقمي بدوره لم يعد مجرد أداة تقنية لتبسيط المساطر، بل أصبح رافعة لتحليل المعطيات الاجتماعية وصياغة سياسات عمومية قائمة على الأدلة، وهو ما تؤكده تقارير (البنك الدولي) و(منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية) حول دور البيانات في تحسين نجاعة التدبير العمومي، وفي هذا الأفق التحولي، يمكن اعتبار عزيز بوينيان نموذجا معبرا عن هذا الانتقال، حيث يجسد نمطا جديدا من رجال السلطة الذين يجمعون بين الحس الإداري والبعد المعرفي، من خلال تأكيده المستمر على الإبداع والمشاركة المجتمعية كمدخل أساسي لكبح البطالة وخلق فرص الشغل، إدراكا منه أن الشغل ليس فقط موردا اقتصاديا بل آلية للاندماج وإعادة بناء الكرامة الاجتماعية، وهو تصور يجد صداه في أعمال (أمارتيا سن) حول التنمية كحرية، حيث يعتبر أن توسيع قدرات الأفراد هو جوهر أي سياسة تنموية ناجحة، وفي هذا الإطار تلعب مؤسسات استراتيجية دورا محوريا في دعم هذا التحول، وعلى رأسها المكتب الشريف للفوسفاط الذي لم يعد مجرد فاعل اقتصادي في استخراج وتثمين الفوسفاط، بل تحول إلى فاعل تنموي يساهم في إعادة تشكيل المجال الترابي من خلال الاستثمار في الرأسمال البشري ودعم المبادرات المحلية، خاصة عبر برامجه الاجتماعية والمقاولاتية الموجهة للشباب، وهو ما يتقاطع مع رؤية التنمية المندمجة التي تجعل من الفاعل الاقتصادي شريكا في إنتاج الحلول الاجتماعية، كما تضطلع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية بدور محوري في هذا التحول من خلال إنتاج المعرفة التطبيقية وربط البحث العلمي بالإشكالات المجتمعية، حيث تمثل فضاء لتكوين نخب جديدة قادرة على الجمع بين الخبرة التقنية والفهم السوسيولوجي، مما يساهم في بلورة نموذج “رجل السلطة الباحث” القادر على استثمار المعطيات وتحويلها إلى سياسات عمومية مبتكرة، إن التقاء هذه الأبعاد—الذكاء الاجتماعي، التحول الرقمي، البحث العلمي، والشراكة مع الفاعلين الاقتصاديين—يعكس تحولا عميقا في طبيعة الدولة المغربية، من دولة ضابطة إلى دولة مرافقة، ومن سلطة قائمة على الأمر إلى سلطة قائمة على المعرفة، وهو ما يفتح آفاقا جديدة لإعادة بناء الثقة داخل المجتمع، خاصة في مواجهة تحديات الهشاشة والبطالة، ويؤسس لنموذج تنموي أكثر إنصافا ونجاعة، يستند إلى فهم دقيق للحياة اليومية وتفاعلاتها الرمزية، كما بلورته السوسيولوجيا المعاصرة في أعمال (ميشيل دو سيرتو) و(زيغمونت باومان) الذين أكدا أن فهم التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية هو المدخل الحقيقي لتغيير البنيات الكبرى.
