عاشت قبيلة الرحامنة تاريخا مضمخا بالصراع من أجل إثبات الوجود و السمو و العزة و الأنفة، و خاضت من أجل ذلك معارك صفين و داحس و الغبراء …من أجل الهاشمية و الفخفخة العربية المتأصلة في الجذور، و شقت عصا الطاعة على سلاطين و ملوك ذووا حظوة و نفوذ و بسطة في الأرض جرت بذكرهم الركبان، و التحموا زرافات و فرادى في ملاحم بطولية تعصبا للحق و تشدقا و لهفة لمعانقة همس الحرية. نازعوا السلطان مولاي عبد العزيز نزاعا شديدا في شرعية تسلمه مقاليد الحكم و تمردوا على محمد بن عبد الرحمانتمردا عظيما و ثاروا على مولاي اليزيد (1792) ثوران البركان ليسلموا مقاليد الحكم لأخيه مولاي هشام بعد مقتل الأول لكن سرعان ما ثاروا عليه و منعوه من ركوب فرسه، و خاض الهيبة ماء العينين ضد المستعمر حربا ضروسا لم تضع أوزارها إلا بتسلل الخونة و العملاء لصدع صفوف الهيبة.
المطلع على التأريخ السلطاني لقبائل الرحامنة (أتحاف أعلام الناس. ابن زيدان) و السابر لأغوار كتب المؤرخين المنعمين و المبجلين من طرف السلاطين، يصنفهم في عهدة البغاة و الخوارج و ينعتهم بالسفلة الجائز فيهم القصاص بقطع الأعناق و الصلب على جذوع النخل. لكن في المقابل هناك روايات أخرى أكثر لمعانا لتاريخ مسكوت عنه و مغمور في ردهات النسيان لا يعرف طريقه للخروج من الظلمات إلى النور إلا بتنقيب الراسخون و المتبحرون في علم التاريخ و الانثروبولوجيا في معاهد بول باسكون و جامعات السوربون. تاريخ كشف مؤرخوه مع كل تقليبة صفحة كواليس جماعة بشرية اجتمعت فيها هاشمية العرب و كرم الطائي و بطولات عنترة و تصورات سارتر للحرية رغم تباين الثقافة و الفكر. و خرج المهتمون بالتاريخ الرحماني بخلاصة واحد هي أن التمرد و المعارضة الرحمانية لم تكن من قبيل المزايدات السياسية و لكنها معارضة موضوعية نابعة من قوة سياسية أعطت زعامات سياسية و عسكرية لها الحق في فرض إرادتها على السلطان.
التاريخ الرحماني مليء بالمفاجأة و حكايات ألف ليلة و ليلة، فرغم طمس الحقيقة و تزوير الواقع و خوض حرب البسوس ضد زعماء الرحامنة و التنكيل بهم وضرب المخزن الخناق عليهم و تشريد كبرائهم و أشرافهم فقد خرج من أصلابهم ذرية لا زالت قائمة على الحق لا تخشى في الله لومة لائم و ما زال شيوخهم يتذكرون روايات الأجداد عن مصارعة أمواج الكفاح من أجل الحرية و ما زال فن العيطة يتحف المسامع و الآذان بالتحف ‘الرحمانية’.
كثيرا ما نسمع اليوم، عن مسؤولين يسبون و يشتمون الرحامنة و أحفادهم في مجامعهم و حلقات ذكرهم و نواديهم و آخرون عايناهم و شهدنا عليهم في عدة محطات احتجاجية، و من بينها اعتصام طلبة الرحامنة للمطالبة بالمنحة، و الذي تم فضه بالقوة، حيث نعت مسؤول إقليمي الطلبة ب””سراريح”” أبناء “”سراريح””، لكنه تجاهل أو نسي أن آبائهم و أسلافهم لم يكونوا ب””سراريح”” بالمفهوم القدحي، بل ثوارا سبقوا الربيع العربي بسنوات . و من يعلم، من يكون أجداده؟. فما عليه إلا أن يدون في تقاريره المرفوعة إلى أسياده أن أبناء الرحامنة تموج في دمائهم جينات العرق الرحماني النظيف التي تفور غليانا و لا تستكين للخنوع و الذل و الإهانة.